مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣٨ - ٢ الاستدلال بالسنّة
الاَحكام نفياً وإثباتاً لم يكن لذكر هذا التشبيه معنى، فذكره ليدلّ به على أنّ حكم النظير حكمُ مثله، وأنّ نسبة القبلة التي هي وسيلة للوطء كنسبة وضع الماء في الفم الذي هو وسيلة إلى شربه، فكما أنّ هذا الاَمر لا يضرّ، فكذلك الآخر. [١]
وقال السرخسي: هذا تعليم المقايسة، فإنّ بالقبلة يفتتح طريق اقتضاء الشهوة ولا يحصل بعينه اقتضاء الشهوة، كما أنّبإدخال الماء في الفم يفتتح طريق الشرب ولا يحصل به الشرب. [٢]
أقول: إنّ القياس عبارة عن استفادة حكم الفرع عن حكم الاَصل بحيث يعتمد أحدهما على الآخر وليس المقام كذلك، بل كلاهما كغصني شجرة أو كجدولي نهر، فالمبطل هو الاَكل والجماع لا مقدّمتهما فبما أنّ المخاطب كان واقفاً على ذلك الحكم في الاَكل دون الجماع، أرشده النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى تشبيه القبلة بالمضمضة إقناعاً للمخاطب لا استنباطاً للحكم من الاَصل وليس الكلام في إقناع المخاطب، بل في استنباط الحكم وليست الرواية ظاهرة، في الاَمر الثاني الذي هو المقصود بالاستدلال بها.
أضف إلى ذلك ما ذكره ابن حزم حولها حيث قال:
لو لم يكن في إبطال القياس إلاّ هذا الحديث لكفى، لاَنّ عمر ظنّ أنّ القبلة تفطر الصائم قياساً على الجماع، فأخبره - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّ الاَشياء المماثلة والمتقاربة لا تستوي أحكامها، وأنّالمضمضة لا تفطر، ولو تجاوز الماء الحلق عمداً لاَفطر، وأنّ الجماع يفطر، والقبلة لا تفطر، وهذا هو إبطال القياس حقاً. [٣]
[١] ابن القيم: إعلام الموقعين: ١|١٩٩.
[٢] السرخسي: أُصول الفقه: ٢|١٣٠.
[٣] الاِحكام: ٧|٤٠٩.