مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٠ - السنّة من مصادر التشريع
للجملة السابقة عليها، كأنّه يقول: إذا كان النبي لا ينطق عن الهوى، فلازم ذلك أن يكون صادقاً في قوله: إنّ القرآن ليس من كلامه، بل هو من كلامه سبحانه، وانّه أُوحي إليه.
ويوَيّد العموم، أنّ قوله: "ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى" آب عن الاستثناء والتخصص، فمثلاً لو قيل "وَما يَنْطِقُعَنِ الْهَوى" إلاّ في مورد غير القرآن لتعجب المخاطب من هذا الاستثناء.
الثاني: قوله سبحانه: "وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً" . [١]
والآية تتضمن مقاطع ثلاثة، وكلّ مقطع يشير إلى بُعد من أبعاد علم الرسول.
فالاَوّل، أعني قوله: "وَ أَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَ الحِكْمَة" يشير إلى العلم الحاصل بنزول الملك على قلبه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .
والثاني، أعني قوله: "وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَم" يشير بقرينة المقابلة، إلى العلم غير المعتمد على نزول الملك، فالمراد به هو الاِلقاء في القلب والاِلهام الاِلهي الخفي.
كما أنّ الثالث، أعني قوله: "وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً" يشير إلى سعة علمه.
وبما ذكرنا آنفاً تثبت عصمة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في أقواله وأفعاله، فإنّ علمه مستند إمّا إلى نزول الملك، أو الاِلقاء في القلب من جانبه سبحانه فلا يعرض له الخطأ، وكيف يعرض له، وهو القائل: "وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً" ومن فضله سبحانه تعليمه إيّاه وتأديبه.
ومردُّ سنّة النبي إلى العلم الواسع الذي تفضل به سبحانه عليه، فلا يخطأ
الواقع قدر شعرة.
[١] النساء: ١١٣.