مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤٢ - مناقشة بعض الأمثلة الواردة في المقام
ثمّ إنّه يدل على ضمان المنافع المستوفاة عموم قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - :«لا يحل مال
امرىَ مسلم لاَخيه إلاّ عن طيب نفسه»والمنافع مال، ولاَجل ذلك يجعل ثمناً في
البيع وصداقاً في النكاح، مضافاً إلى السيرة العقلائية في تضمين الغاصب المنافع
المستوفاة،وعلى ذلك فليس هاهنامشكلة حتى تعالج بعنصر الزمان، ولم يكن
الحكم المزعوم حكماً شرعيّاً حتى يتغير لاَجل فساد أهل الزمان.
٣. في أصل المذهب الحنفي انّ الزوجة إذا قبضت موَجّل مهرها تُلْزم
بمتابعة زوجها حيث شاء، ولكن المتأخّرين لحظوا انقلاب الاَخلاق وغلبة الجور،
وانّ كثيراًمن الرجال يسافرون بزوجاتهم إلى بلاد نائية ليس لهنّ فيها أهل ولا
نصير، فيسيئون معاملتهنّ ويجورون عليهنّ، فأفتى المتأخرون بأنّ المرأة لو
قبضت موَجل مهرها لا تجبر على متابعة زوجها، إلى مكان إلاّ إذا كان وطناً لها وقد
جرى فيه عقد الزواج بينهما، وذلك لفساد الزمان وأخلاق الناس، وعلى هذا
استقرت الفتوى والقضاء في المذهب. [١]
أقول: إنّ لحلّ هذا النوع من المشاكل طريقاً شرعياً في باب النكاح، وهو اشتراط عدم إخراجها من وطنها أو أن يسكنها في بلد خاص، أو منزل مخصوص في عقد النكاح، فيجب على الزوج الالتزام به. وليس مثل هذاالاشتراط مخالفاً للكتاب والسنّة. كما هو مبيّـن في محله [٢]
ولو افترضنا غفلة أولياء العقد عن الاشتراط وأراد الزوج إخراجها إلى بلاد
نائية يصعب عليها العيش فيها ويعد حرجيّاً لها، فللزوجة رفع الشكوى إلى
الحاكم بغية عدم إخراجها من وطنها، فيحكم بعد تبيّن الحال بعدم الاِخراج نتيجة
طروء العنوانات الثانوية كالحرج والضرر، فليس للزمان هنا أي مدخلية في تغيير
الحكم، بل يكمن الحكم الشرعي في نفس الشرع.
[١] مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:٢، برقم ٥٤٦.
[٢] لاحظ «المختار في أحكام الخيار » للموَلف.