مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨١ - الجوامع الاَوّلية
وأخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه، وقال: إنّملك الموت كان يأتي الناس عياناً حتى أتى موسى، فلطمه ففقأ عينه ـ إلى أن قال: ـ إنّملك الموت جاء إلى الناس خفياً بعد وفاة موسى. [١]
والحديث غني عن التعليق، ولا يوافق الكتاب، ولا سنّة الاَنبياء، ولا العقل السليم من جهات .
الاَُولى: انّه سبحانه يقول: "إِذا جاءَأَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ" . [٢] فظاهر قوله: «أجب ربّك» انّه كان ممّن كتب عليه الموت، وجاء أجله، ومع ذلك تأخّر.
الثانية: من درس سيرة الاَنبياء بشكل عام يقف على أنّهم (عليهم السلام) ما كانوا يكرهون الموت كراهة الجاهلين، وهل كانت الدنيا عند الكليم أعز من الآخرة، وهل كان يخفى عليه نعيمها ودرجاتها؟!
الثالثة: ما ذنب ملك الموت إن هو إلاّ رسول من اللّه مجند له، يعمل بإمرته، فهل كان يستحق مثل هذا الضرب؟!
الرابعة: كيف ترك القصاص من موسى مع أنّه سبحانه يقول: "وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالاََنفَ بِالاََنْفِ والاَُذُنَ بالاَُذُنِ وَ السِّنَّ بالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصاص" . [٣]
الخامسة: وهل كان ملك الموت أضعف من موسى حتى غلب عليه وفقأ
عينه، ولم يتمكن من الدفاع عن نفسه، ولم يزهق روحه مع كونه مأموراً به من
ربه؟ أنا لا أدري، ونظن أنّ القارىَ يشاطرنا الرأي بأنّنا في غنى عن هذه التعليقات،
فإنّ مضمون الحديث يصرخ بأعلى صوته انّه مكذوب وإن رواه الشيخان.
[١] الطبري: التاريخ: ١|٣٠٥، باب وفاة موسى - عليه السّلام - .
[٢] يونس: ٤٩.
[٣] المائدة: ٤٥.