مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣ - ١ التدرّج في التشريع
في حياتهم الفردية و الاجتماعية و لم يكن لهم محيص من طرحها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بغية الظفر بأجوبتها، وقد تكرر في الذكر الحكيم قوله سبحانه: "يَسْأَلُونَكَ" قرابة خمس عشرة مرّة و تصدى النبي- صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - للاِجابة عنها، و تختلف تلك المواضيع بين الاستفسار عن حكم شرعي، كحكم القتال في الشهر الحرام، والخمر، والميسر، والتصرف في أموال اليتامى، والاَهلّة، والمحيض، والاَنفال، وغير ذلك؛ أو الاستفسار عن أُمور كونية كالروح والجبال والساعة.
وهناك شيء آخر ربما يوَكد لزوم كون التشريع أمراً تدريجياً، وهو أنّ موقف النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - تجاه أُمته كموقف الطبيب من مريضه، فكما أنّ الطبيب يعالج المريض شيئاً فشيئاً حسب استعداده، فكذلك الطبيب الروحي يمارس نشاطه التربوي طبقاً لقابليات الاَُمة الكامنة بغية الاستجابة، لئلا تُثبط عزائمُهم و يُطفأ نشاطهم ويُثقل كاهلهم.
ومع ذلك فإن كانت الظروف مهيَّأة لنزول تشريع أكثر تفصيلاً وأوسع تعقيداً وافاهم الوحي به، كما في قوله سبحانه: "قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" . [١]
وقال سبحانه: "وَ لا تَقْرَبُوا مالَالْيَتِيمِ إِلاّ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
وَأَوفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ
ذا قُرْبى وَ بِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" . [٢]
حيث تجد أنّالآيتين تتكفّلان تشريع عشرة أحكام تُعَدُّ من جوامع الكلم،
[١] الاَنعام: ١٥١.
[٢] الاَنعام: ١٥٢.