مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٠ - تمحيص السنة النبويّة وتدوينها
محدودة، وقال على المنبر: لا يحل لاَحد يروي حديثاً لم يُسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر. [١]
كما أنّمعاوية اتبع طريقة الخليفتين أيضاً، فخطب وقال: يا ناس أقلّوا الرواية عن رسول اللّه، و إن كنتم تتحدّثون فتحدّثوا بما كان يتحدّث به في عهد عمر. [٢]
حتى أنّ عبيد اللّه بن زياد عامل يزيد بن معاوية على الكوفة، نهى زيد بن أرقم الصحابي عن التحدّث بأحاديث رسول اللّه. [٣]
وبذلك أصبح ترك كتابة الحديث سنّة رائجة، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها.
لا أظن أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ينهى عن تدوين المصدر الثاني للتشريع، بالرغم من أمره بكتابة ما هو أدون منه شأناً، بل لا يقاس به، ككتابة الدين، قال سبحانه: "وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرتابُوا" . [٤]
إنّ الشريعة الاِسلامية شريعة خاتمة كنبوتها، وهي قائمة على دعامتين: الكتاب والسنّة، فكيف يعقل أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أخذ بزمام أحدهما وترك الآخر، مع أنّ في تركها تقويضاً لعرى الدين.
فإذا كانت هذه عاقبة السنّة النبوية وما آلت إليه من إجحاف الدهر عليها،
أفيصح قول ابن الاَثير في «جامع الاَُصول» حين الاِشارة إلى قيمة الحديث بين
[١] كنز العمال: ١٠|٢٩٠ ح٢٩٤٩٠.
[٢] كنز العمال: ١٠|٢٩١ ح٢٩٤٧٣.
[٣] فرقة السلفية: ١٤، نقلاً عن مسند الاِمام أحمد.
[٤] البقرة: ٢٨٢.