مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩١ - تمحيص السنة النبويّة وتدوينها
الصحابة والتابعين: فما زال هذا العلم ـ من عهد الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - والاِسلام غضّ طريّ، والدين محكم الاَساس قوي ـ أشرف العلوم وأجلّها لدى الصحابة رضي اللّه عنهم والتابعين بعدهم وتابعي التابعين ، يعظمه وأهله الخلف بعد السلف، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظه لكتاب اللّه عزّ وجلّ إلاّ بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلاّ بحسب ما يسمع من الحديث عنه، فتوفرت الرغبات فيه، وانقطعت الهمم على تعلّمه، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ذوات العدد، ويقطع الفيافي والمفاوز الخطيرة، ويجوب البلاد شرقاً وغرباً في طلب حديث واحد ليسمعه من راويه. فمنهم من يكون الباعث له على الرحلة: طلب ذلك الحديث لذاته. ومنهم من يقرن بتلك الرغبة سماعه من ذلك الراوي بعينه، إمّا لثقته في نفسه، وصدقه في نقله، وإمّا لعلو اسناده، فانبعثت العزائم إلى تحصيله.[١]
فإذا كان الحكم السائد في عصر الخلافة تقليل الرواية عن محمد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وكانت مشايعة بعض الصحابة بغية تحقق تلك الغاية.
وإذا كانت مكانة كتابة السنّة ومنزلتها إحراقَها أمام الصحابة وعلى روَوس الاَشهاد، أفهل يمكن أن يكون أشرف العلوم بعد حفظ كتاب اللّه كما وصفه ابن الاَثير إلى آخر ما وصفه؟!!
نعم يصح ما ذكره في منتصف القرن الثاني بعد ما بلغ السيل الزبى،
واندرس العلم، وأُبيد معظم الصحابة والتابعين، فلم يبق إلاّ صبابة كصبابة الاِناء،
فعند ذلك وقفوا على الرزية العظمى التي منوا بها، فعادوا يتداركونه ببذل جهود
حثيثة في تقييد شوارد الحديث، يقول ابن الاَثير: لما انتشر الاِسلام، واتسعت
البلاد، وتفرقت الصحابة في الاَقطار، وكثرت الفتوح، ومات معظم الصحابة،
[١] جامع الاَُصول: ١| ١٤ ـ ١٥.