مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٣ - تمحيص السنة النبويّة وتدوينها
فكانوا يصنفون كلّ باب على حدة إلى أن قام كبار الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني، فدوّنوا الاَحكام، فصنّف الاِمام مالك «الموطأ» وتوخّى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة، وفتاوى التابعين ومن بعدهم؛ وصنّف ابن جريج بمكة، والاَوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وابن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري، وكان هوَلاء في عصر واحد، فلا يدرى أيّهم أسبق.
ثمّتلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الاَئمّة أن يفرد حديث النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنّفوا المسانيد. [١]
ولو أردنا أن نحدّد تاريخ التدوين عند أهل السنة بالضبط، فنقول: إنّ تاريخه يرجع إلى ما ذكره الذهبي بقوله:
وفي سنة مائة وثلاث وأربعين شرع علماء الاِسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والاَوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما في البصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف ابن إسحاق المغازي، و صنّف أبو حنيفة الفقه والرأي، إلى أن قال: وقبل هذا العصر كان الاَئمّة يتكلّمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. [٢]
إلى هنا اتضح أنّ السنّة النبوية لم تلق من الاهتمام في عصر الخلفاء
والاَُمويين وأوائل العصر العباسي حتى خلافة المنصور العباسي، فأمر بتدوين
السنّة وتبويبها.
[١] جلال الدين السيوطي: تنوير الحوالك: ١|٦ـ٧.
[٢] السيوطي: تاريخ الخلفاء: ٣١٦. وسيوافيك ذيله ص ٩٧.