مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٧ - القول الحاسم في فتح الذرائع
بان أنّها حيّة انكشف انّ القضاء بردّ القيمة كان باطلاً من أصله.
ومن خلاله ظهر انّ السبب (زعم الغاصب موت الجارية) غير موَثر في الانتقال فلا تقع ذريعة لتملّكها، وهو الذي رتب عليها البخاري رداً على أبي حنيفة وقال: إنّه يحتال من اشتهى جارية رجل لا يبيعها، فغصبها واعتلّ بانّها ماتت حتى يأخذ ربّها قيمتها، فيطيب للغاصب جارية غيره.
لما عرفت من أنّ إخبار الغاصب بموت الجارية جازماً لا يكون سبباً
لخروج الجارية عن ملك صاحبها وخروج قيمتها عن ملك الغاصب، فكيف إذا
كان عالماً بالخلاف وكاذباً في الاخبار ؟ فعدم جواز التحيّل في هذه المسألة يعزّى
إلى انّ السبب حلالاً كان أو حراماً غير موَثر فيه.
٤. إذا كانت الوسيلة حلالاً، ولكن الغاية هي الوصول إلى الحرام على نحو
لا تتعلّق إرادته الجدّية إلاّ بالمحرم ولو تعلّقت بالسبب فإنّما تتعلق به صورياً لا
جدياً، كما إذا باع ما يسوى عشرة بثمانية نقداً، ثمّ اشتراه بعد بعشرة نسيئة إلى
شهرين فمن المعلوم أنّ إرادته الجدية تعلّقت باقتراض ثمانية ودفع عشرة،
وحيث إنّ ظاهره ينطبق مع الربا، فاحتال ببيعين مختلفين مع عدم تعلّق الاِرادة
الجدية بهما، فيكون عندها التحيّل أمراً محرماً، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه في
سورة الاَعراف: "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الّتي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْر إِذ يَعِدُونَ فِي
السَّبْت إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَومَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَومَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ
نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُون" . [١]
فانّ الغرض من تحريم الاصطياد في السبت هو امتحانهم في أُمور الدنيا،
ولكنّهم توصلوا بحيلة مبطلة لغرضه سبحانه، وهي حبس الحيتان عن الخروج إلى
[١] الاَعراف:١٦٣.