مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٨ - النبي والاَُمور الدنيوية
شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أَكذب على اللّه عزّ وجلّ». [١]
وروى عن رافع بن خديج، قال: قدم نبي اللّه المدينة وهم يأبرون النخل يقولون: يلقحون النخل فقال: «ما تصنعون؟» قالوا: كنّا نصنعه، قال: «لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيراً» فتركوه، فنقصت قال: فذكروا ذلك له، فقال: «إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر». [٢]
والعجب أنّ مسلماً النيسابوري موَلف الصحيح ذكر الحديث في باب أسماه بـ«وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من معايش الدنيا على سبيل الرأي» نحن نعلّق على الحديث بشيء بسيط، ونترك التفصيل إلى القارىَ.
أوّلاً: نفترض أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لم يكن نبياً، ولا أفضل الخليقة، ولا من أنزل عليه الكتاب و الحكمة، ولا من وصفه اللّه سبحانه بالخلق العظيم، بل كان عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز، وعاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية، وقد توالى سفره إلى الشام، وكل من هذا شأنه يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلاّبالتلقيح، فما معنى سوَاله ما يصنع هوَلاء؟! فيجيبونه بقولهم: إنّهم «يلقحونه» أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خفياً على النبي؟!
ثانياً: كيف يمكن للنبي النهي عن التلقيح الذي هو سنّة من سنن اللّه أودعها في الطبيعة، وقال سبحانه: "فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحويلاً" [٣] ومع ذلك فكيف يقول: «ما أظن يغني ذلك شيئاً»؟!
ثالثاً: انّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيء الظن بكل ما يخبر به عن اللّه
بلسانه ويخرج من شفتيه، والاَسوأ من ذلك ما نسب إليه من الاعتذار بقوله: «وإذا
[١] مسلم، الصحيح: ١٥|١٢٥و١٢٦، الباب ٣٨، كتاب الفضائل.
[٢] مسلم، الصحيح: ١٥|١٢٥و١٢٦، الباب ٣٨، كتاب الفضائل.
[٣] فاطر: ٤٣.