مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٠ - النبي والاَُمور الدنيوية
الْمُتَوكِّلِين" . [١] هذا إذا صحّت الرواية وإلاّ فتُطرج.
فلم تكن مشاورة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في واحد من تلك المواقف نابعةً عن جهله (نعوذ باللّه) بما فيه مصلحة الاَُمّة، بل كانت المصلحة يومذاك تقتضي المشاورة والوقوف على الآراء، ثمّ العزم على ما تقتضيه المصلحة، فنرى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) استشارهم في غزوة بدر قائلاً: «أشيروا عليَّ أَيُّها الناس» وإنّما قال ذلك، لاَنّه يريد به الاَنصار، وذلك أنّهم كانوا يوَلِّفون الاَكثرية وانّهم حين ما بايعوه بالعقبة فإنّما بايعوه على أن يدافعوا عنه مثلما يدافعون عن أبنائهم ونسائهم ولم يبايعوه للهجوم والقتال، ولما كان المسير إلى وادي بدر بغية قتالهم، فلم يكن له بدّ من استشارتهم، فلمّا وقف على استعدادهم لاَكثر ممّا بايعوه بالعقبة، قال: «سيروا وأبشروا».
روى ابن هشام: انّسعد بن معاذ، قام وقال: فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضنا معك، ما تخلّف منّا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً انّا لصبر في الحرب وصدق في اللقاء، لعل اللّه يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة اللّه. فسرّ رسول اللّه بقول سعد ونشطه ذلك، ثمّ قال: «سيروا وأبشروا». [٢]
وهذه هي الضابطة الكلية في كلّ ما شاور النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في الحروب
وغيرها، وقد كمنت المصلحة في نفس المشاورة عن طريق استقطاب آراء
الصحابة دون أن تكون الغاية من ورائها الوصول إلى الواقع ورفع أغشية الجهل
نعوذ باللّه.
٣. أخرج السيوطي في «الدر المنثور» وقال: لمّا توفّي عبد اللّه بن أُبيّ أتى
ابنه عبد اللّه رسول اللّه يسأله أن يعطيه قميصه ويكفّنه فيه، فأتاه، ثمّ سأله أن يصلّي
عليه، فقام رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقام عمر بن الخطاب فأخذ ثوبه، فقال: يا رسول
[١] آل عمران: ١٥٩.
[٢] السيرة النبوية: ٢|٦١٥.