تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٩٦ - ٣٦١١ ـ عبد الله بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب بن هاشم أبو العباس ويقال أبو جعفر المأمون بن الرشيد
أحب الصفي فيما يرويه الناس بالصاد [١] ، لأن الصّفي يكون للملك دون السوقة ، والضفي بالضاد أبلغ في المعنى لأنها الغزيرة اللبن.
قال القاضي : والذي حكي في هذا عن بندار قريب وجائز أن يكون الصفيّ بمعنى الشيء الذي يختار ويصطفى ، وإن كان مصطفيه غير ملك ، لأن صفي المال إنما وسم بهذه السمة لأن الملك اصطفاه لنفسه ، وجائز أن يصطفيه الملك ثم يصير لبعض السوقة ، وجائز أن يقال للشيء الكريم صفيّ ، بمعنى أنه لنفاسته مما يصطفيه الملوك ، ويصلح أن يصطفوه ، فيعبر عنه بذلك قبل أن يصطفي ، كما قال الله عزوجل (وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا)[٢] فسماهم شهداء قبل أن يشهدوا ، وكقوله : (إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً)[٣] وكانت الملوك قبل الإسلام تصطفي من الغنيمة علقا منها كريما ، أو غرّة مستراة لأنفسها فتأخذه دون الجيش ، وفي ذلك يقول الشاعر [٤] :
| لك المرباع منها والصفايا | وحكمك والنشيطة والفضول |
يعني بالمرباع ربع الغنيمة ، والصفايا جمع صفية وهي ما ذكرنا ، وقوله : وحكمك أي ما تتحكم فيه وتحكم به. والنشيطة ما تنشطته من المغنم ، فتأخذه ، والفضول ما فضل عن القسمة أو كان القسم لا يحتمله ، ثم جعل الله لنبيه ٦ فيما غنمه المسلمون من المشركين الخمس ولذوي القربى من رهطه ومن سمّي معهم ، فحط ما جعل له عن قدر ما كانت الملوك تأخذه قبله ، تطييبا لنفوس أصحابه وتوكيدا لما نزهه عن أخذ الأجر على ما جاء به.
وروي عن النبي ٦ أنه قال : «ما لي في هذا المال إلّا الخمس وهو مردود فيكم» [٦٨٨٥] ، وكان ٦ يأخذ منه [٥] حاجته لمئونته ومئونة أهله ، ويصرف باقي ما أخلص له ، وهو خمس الخمس في الكراع [٦] والسلاح ، وما كان تأييدا للدين وعتادا لنوائب المسلمين ، وكان له ٦ الصفيّ أيضا ، وكان يأخذه من أصل الغنيمة ، وروي أنه أغار [٧] على بني المصطلق وهم غارّون ، فقتل مقاتلتهم وسبا ذراريهم ، واصطفى منهم جويرية بنت الحارث.
[١] كذا بالأصل والمطبوعة ، وفي الجليس الصالح : الضفي ، بالضاد ، وفيه فيما سيأتي : «الصفي بالصاد».
[٢] سورة البقرة ، الآية : ٢٨٢.
[٣] سورة يوسف ، الآية : ٣٦.
[٤] البيت لعبد الله بن عنمة يرثي عمه بسطام بن قيس (اللسان : ربع ـ صفا).
[٥] بالأصل : حاجته منه ، وفوق اللفظتين علامتا تقديم وتأخير.
[٦] الكراع : اسم يجمع الخيل والسلاح.
[٧] بعدها في الجليس الصالح : ٦.