تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٢٥ - ٣٦١١ ـ عبد الله بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب بن هاشم أبو العباس ويقال أبو جعفر المأمون بن الرشيد
وقبّلنا يده قال : وكان أمامي رجل من الطالبيين يلقب بكلب الجنّة ، وكان طيبا ظريفا ، فلما دنا من المأمون قبّل يده فقال له المأمون كالمشير [١] إليه : كيف أنت يا كلب الجنّة؟ أما الدنانير والدراهم والزينة فلعمرو بن مسعدة [٢] وأبي عبّاد [٣] وأمّا الطّنز [٤] والتحميز [٥] فلبني هاشم فرد المأمون كمّه على فيه وقال : ويلك كف لا تفضحني ، قال : لا والله أو تضمن لي شيئا تعجّله لي ، قال : العشيّة يأتيك رسولي ، فأتاه عمرو بن مسعدة بثلاثين ألف درهم.
قال [٦] : ونا عبد الباقي بن قانع ، نا محمّد بن زكريا ، نا محمّد بن عبد الرّحمن ، حدّثني هذا الهاشمي قال : ركب المأمون يوما إلى المطبق وبلغ القواد ركوبه فتبعوه ، قال :
فكان كلب الجنّة ممن ركب تلك العشية قال : فبصر به المأمون وبيده خشبة من حطب الوقود ، وفي اليد الأخرى لحافه فقال : كلب الجنّة ، قال : نعم كلب الجنّة بلغه ركوبك فجاء لنصرتك ، والله ما وجدت سلاحا إلّا هذه المشقّقة من حطب البقّال ، ولا ترسا إلّا لحافي هذا ، وعياش بن القاسم في بيته ألف ترس ، وألف درع ، وألف سيف قائم غير مكترث فوصله بثلاثين ألفا ، وجاء عياش يركض فشتمه المأمون وناله مكروه.
أخبرنا أبو عبد الله الخلّال ، أنا أبو طاهر بن محمود ، أنا أبو بكر بن المقرئ ، قال : سمعت المظفّر بن سعيد قال : سمعت محمّد بن [٧] يحيى الصولي ، حدّثني أبو علي الكيّال صاحب بدر ، حدّثني ابن أبي فنن ، حدّثني عمرو بن سعيد قال :
كنت في نوبتي في الحرس في أربعة آلاف إذ رأيت المأمون قد خرج ومعه غلمان صغار ، وشموع ، فعرفته ، ولم يعرفني ، فقال : من أنت؟ فقلت : عمرو ـ عمرك الله ـ بن سعيد أسعدك الله ـ بن سالم [٨] ـ سلّمك الله ـ قال : أنت تكلؤنا منذ الليلة ؛ قال : الله يكلؤك يا أمير المؤمنين ، هو (خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)[٩] ، وتبسّم وأنشأ يقول : شعر :
[١] في الجليس الصالح : كالمسرّ.
[٢] عمرو بن مسعدة بن سعد بن صول ، أبو الفضل الصولي ، وزير المأمون. (ترجمته في تاريخ بغداد ١٢ / ٢٠٣).
[٣] هو ثابت بن يحيى بن يسار الرازي ، حاجب المأمون (سير أعلام النبلاء ١٠ / ١٩٨).
[٤] الطنز : السخرية.
[٥] الجليس الصالح : والتجمهر.
[٦] القائل المعافى بن زكريا ، والخبر في الجليس الصالح ٤ / ٤٠٣.
[٧] «محمد بن» كتبت بالأصل فوق الكلام بين السطرين.
[٨] سورة يوسف ، الآية : ٦٤.
[٩] كذا بالأصل «سالم» وفي المطبوعة : «سلم» وسيرد في الخبر التالي «سالم» أيضا ، وفي الجليس الصالح : «سلم».