تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٢١ - ٣٦١١ ـ عبد الله بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب بن هاشم أبو العباس ويقال أبو جعفر المأمون بن الرشيد
والله ما آخذ منكم شيئا عاجلا وقد ادعيت [١] أمرا فامتحنوني فيه ، فإن جاءك [٢] ما ادّعيت كان الأمر فيّ إليكم ، وإن وقع بخلاف ذلك انصرفت إلى منزلي.
فأخبرت المأمون بما قال : فتمثل ببيت الفرزدق :
| وقبلك ما أعييت كاسر عينه | زيادا فلم تقدر عليّ حبائله [٣] |
ثم قال : لعلّ هذا يريد أن يصل إلينا فاحتال بهذه الحيلة ، وليس الرأي أن يظهر أحد علينا علما فنظهر الزهد فيه ، فأحضره.
قال : فجئت بالرجل وقعد له المأمون ، وأحضرت له أداة العمل ، فإذا هو يحل الطّلق أجهل مني بما في السماء السابعة ، فنظر إليّ المأمون وقال : تزعم أنه حلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك؟ قال : بلى ، قال : فقد حنث ، فقال الرجل والمأمون يسمع : ألم تحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما تملك؟ قال : بلى ، قلت : فقد حنثت قال : ليست لي امرأة ، قلت : فالعتاق ، قال : وما لي مملوك ، قلت : فصدقة ما تملك ، قال : ما أملك خيطا ولا مخيطا ، قلت له : كذب يا أمير المؤمنين ، له غلام ، ودابّة ، قال : هما وحق رأس أمير المؤمنين ، عارية ، قال : فتبسّم المأمون [و] قال : هذا بحل الدراهم أعلم منه بحلّ الطّلق [٤] ، ثم أمر أن يعطى خمسة آلاف درهم ، فلما خرج قال للعتبي ردّه فردّه ، فقال : زيدوه ، فإنه لا يجد في كل وقت من يمخرق عليه ، فقال الرجل : يا أمير المؤمنين عندي باب من الحملان ليس في الدنيا مثله ، قال : احمله على هذه الدراهم ، فإن كنت صادقا صرت ملكا في أقلّ من شهر.
قرأت على أبي الحسن سعد الخير بن محمّد بن سهل ، عن أبي عبد الله محمّد بن أبي نصر الحميدي ، أنا أبو العبّاس أحمد بن عمر بن أنس العذري ، نا أبو البركات محمّد بن عبد الواحد الزّبيري ، نا أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي ، نا أبو إسحاق إبراهيم بن السّري الزّجّاج ، نا أبو العبّاس محمّد بن يزيد المبرد قال :
لما وصل المأمون إلى بغداد وقرّبها قال ليحيى بن أكثم : وددت أنّي وجدت رجلا مثل الأصمعي ، ممن عرف أخبار العرب ، وأيامها ، وأشعارها ، فيصحبني كما صحب الأصمعي
[١] الأصل : دعيت.
[٢] البيت في ديوان الفرزدق ط بيروت ٢ / ١٧٢ وفيه : «فقبلك» وزياد هو زياد بن أبيه. وكان قد طلب الفرزدق في أمر فهرب منه.
[٣] البيت في ديوان الفرزدق ط بيروت ٢ / ١٧٢ وفيه : «فقبلك» وزياد هو زياد بن أبيه. وكان قد طلب الفرزدق في أمر فهرب منه.
[٤] الأصل : الطلاق ، والصواب ما أثبت.