تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٠٣ - ٣٦١١ ـ عبد الله بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب بن هاشم أبو العباس ويقال أبو جعفر المأمون بن الرشيد
أعيذك بالله منه يا أمير المؤمنين ، قال : فما كذب الرجل أن وقف على المأمون ، فقال له المأمون : من أردت يا صاحب الكفن ، وإلى من قصدت؟ قال : إيّاك أردت ، قال : أو عرفتني؟ قال : لو لم أعرفك ما قصدتك ، قال : أفلا سلّمت عليّ؟ قال : لا أرى السّلام عليك ، قال : ولم؟ قال : لإفسادك علينا الغزاة ، قال عجيف : وأنا ألين مسّ [١] سيفي لئلا يبطئ ضرب عنقه ، إذا التفت المأمون فقال : يا عجيف إنّي جائع ، ولا رأي لجائع ، فخذه إليك حتى أتغدى وأدعو به ، قال : فتناوله عجيف فوضعه بين يديه ، فلما صار المأمون إلى رحله دعا بالطعام ، فلما وضع بين يديه أمر برفعه وقال : والله ما أسيغه حتى أناظر خصمي ، يا عجيف عليّ بصاحب الكفن ، قال : فلمّا جلس بين يديه قال : هيه يا صاحب الكفن ما ذا قلت؟ قال : قلت : لا أرى السّلام عليك لإفسادك الغزاة علينا ، قال : بما ذا أفسدتها ، قال : بإطلاقتك الخمور تباع في عسكرك ، وقد حرّمها الله في كتابه ، فابدأ بعسكرك ثم اقصد الغزو ، لما ذا استحللت أن تبيح شيئا حرّمه الله كهيئة ما أحل الله ، قال : أو عرفت الخمر أنها تباع ظاهرا ورأيتها؟ قال : لو لم أرها وتصح عندي ما وقفت هذا الموقف ، قال : شيء سوى الخمر أنكرته؟ قال : نعم ، إظهارك الجواري في العماريّات وكشفهن الشعور منهن بين أيدينا كأنهن فلق الأقمار ، خرج الرجل منا يريد أن يهراق دمه في سبيل الله ، ويعقر جواده قاصدا نحو العدو ، فإذا نظر إليهن أفسدن قلبه ، وركن إلى الدنيا وانصاع إليها ، فلم استحللت ذلك يعني؟ قال : ما استحللت ذاك ، وسأخبرك بالعذر فيه ، فإن كان صوابا وإلّا رجعت يعني ، ثم قال : شيئا غير هذا أنكرته؟ قال : نعم ، شيء أمرت [به][٢] تنهانا عن الأمر بالمعروف ، قال [٣] : أمّا الذي يأمر بالمنكر فإنّي أنهاه ، وأمّا الذي يأمر بالمعروف فإنّي أحثّه على ذلك وأحدوه عليه [٤]. أفشيء سوى ذلك؟ قالا : لا ، قال : يا صاحب الكفن ، أمّا الخمر فلعمري قد حرّمها الله ، ولكن الخمر لا تعرف إلّا بثلاث جوارح : بالنظر ، والشمّ والذوق ، أفتشربها؟ قال : معاذ الله أن أنكر ما أشرب ، قال : أفيمكن في وقتك هكذا أن نقصّى على بيعها حتّى نوجّه معك من يشتريها؟ قال : ومن يظهرها لي أو يبيعها [٥] بعينها وعليّ هذا الكفن؟ قال : صدقت ، قال : فكأنك إذا عرفتها بهاتين الجارحتين ، يا عجيف عليّ بقوارير فيها شراب ، فانطلق عجيف ، فأتاه بعشرين قارورة فوقفها [٦] بين يديه ، في أيدي عشرين وصيفا ثم قال : يا صاحب الكفن ، نفيت من آبائي
[١] المطبوعة : متن.
[٢] الزيادة عن الجليس الصالح.
[٣] بعدها في الجليس الصالح : ثم قال.
[٤] الجليس الصالح : تقفنا.
[٥] الجليس الصالح : أو يبيعنيها وعليّ هذا الكفن.
[٦] الجليس الصالح : فوضعها.