سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي - الصفحة ٤١٤
أن سماعه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا يكون حجة وإلا فهو معجزة. وقال الله تعالى: وقالوا: (لولا أنزل عليه آيات من ربه، قل إنما الايات عند الله، وإنما أنا نذير مبين) (العنكبوت / ٥٠) (أو لم يكفهم أنا نزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) (العنكبوت / ٥١) فأخبر أن الكتاب آية من آياته كان في الدلالة قائم مقام معجزات غيره، وآيات من سواه من الانبياء وقد جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء، وتحداهم على أن يأتوا بمثله، وأمهلهم طول السنين، فلم يقدروا ثم تحداهم بعشر سور منه، ثم تحداهم بسورة، فلما عجزوا عن معارضته والاتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن، هذا وهم الفصحاء الذين كانوا أحرص شئ علبى إطفاء نوره، وإخفاء أمره، فلو كان في مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها قطعا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهخم أن حدث نفسه بشئ من ذلك ولا رامه بل عدلوا إلى العناد تارة وإلى الاستهزاء أخرى، فتارة قالوا: " سخر " للطافته، وتارة قالوا: " سحر " لحسن نظمه وفصاحته، وقال آخرون إنه أساطير الاولين، لاستغرابهم معانيه، وقال آخرون: " قول الكهنة " لتحيرهم فيه، كل ذلك من التحير والانقطاع، ثم رضوا بتحكيم السيف في أعناقهم وسبي ذراريهم وحرمهم واستباحة أموالهم، وقد كانوا انف شئ وأشده حمية، فلو علموا أن الاتيان بمثله من قدرتهم لبادروا إليه، لانه كان أهو عليهم. وقال بعض العلماء: الذي أورده صلى الله عليه وسلم على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الاتيان بمثله أعجب في الاية وأوضح في الدلالة من فلق البحر وإحياء الموتى وإبراء الاكمه، النه أتى أهل البلاغة وأرباب الفصاحة ورواد البيان والمتقدمة في اللغز بكلام مفهوم المعنى وكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد عسى صلى الله عليه وسلم عند إحياء الموتى لانهم كانوا لا يطمعون فيه، ولا في إبراء الاكمه والابرص ولا يتعاطون علمه، وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة، وقال القاضي: معجزات الرسل كانت واردة على أيديهم بقدر أحوال أهل زمانهم، وكانت بحسب المعنى الذي علا واشتهر فيه، فلما كان زمن موسى صلى الله عليه وسلم غاية علم أهل السحر بعث إليهم بمعجزة العصا حية واليد السمراء يدا بيضاء من غير سوء لم يكن ذلك المعجز في قدرتهم، وقد أبطل ما جاءهم منها بسحرهم، وكذلك زمن عيسى صلى الله عليه وسلم كان انتهاء ما كان عليه أهل الطب، وأوفر ما كان في أهله فجاءهم على يديه صلى الله عليه وسلم أمر لا يقدرون عليه لاستحالة إتيانهم كغيرهم به وأتتاهم بما لم يخطر لهم ببال من إحياء الموتى وإبراء الاكمه الذي ولد ممسوح العين والابرص، وهو الذي بيده بياض فكان يأتيه من أطاق