منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٢٧ - المعنى
(ثمّ جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض) و جعلها من حقوقه لافتراضها من قبله تعالى و فى القيام بها إطاعة له و امتثال لأمره، فتكون بهذا الاعتبار من حقوقه الواجبة على عباده، و هذه الجملة توطئة و تمهيد لما يريد أن ينبّه عليه من كون حقه ٧ واجبا عليهم من قبله تعالى و كون القيام به اطاعة له عزّ و علا فيكون ذلك أدعى لهم على أدائه.
(فجعلها) أى تلك الحقوق التي بين الناس (تتكافؤ) و تتقابل (فى وجوهها) أى جعل كلّ وجه من تلك الحقوق مقابلا بمثله، فحقّ الوالى على الرعيّة مثلا و هو الطاعة مقابل بمثله فهو العدل و حسن السيرة الذى هو حقّ الرّعية على الوالى (و يوجب بعضها بعضا و لا يستوجب) أى لا يستحقّ (بعضها إلّا ببعض) كما أنّ الوالى إذا لم يعدل لا يستحقّ الطاعة و الزّوجة إذا كانت ناشزة لا يستحقّ النّفقة.
و لمّا مهّد ما مهّد تخلّص إلى غرضه الأصلي فقال (و أعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق) المتكافئة (حقّ الوالي على الرّعيّة و حقّ الرّعيّة على الوالي) و إنّما كان من أعظم الحقوق لكون مصلحته عامّة لجميع المسلمين و باعثا على انتظام أمر الدين.
و لذلك أكّده بقوله (فريضة فرضها اللّه سبحانه لكلّ على كلّ) و أشار إلى وجوه المصلحة فيها بقوله (فجعلها نظاما لألفتهم و عزّا لدينهم) لأنّها سبب اجتماعهم و بها يقهرون أعداءهم و يعزون أديانهم (فليست تصلح الرّعيّة إلّا بصلاح الولاة) كما هو المشاهد بالعيان و التجربة و شهدت عليه العقول السّليمة (و لا تصلح الولاة إلّا باستقامة الرّعيّة) في الطاعة إذ بمخالفتهم و عصيانهم يؤل جمعهم إلى الشّتات و حبل نظامهم إلى التّبات.
(فاذا أدّت الرّعيّة إلى الوالي حقّه) و أطاعوه (و أدّى الوالي إليها حقّها) و عدل (عزّ الحقّ بينهم) أى يكون عزيزا (و قامت مناهج الدّين) و سبله (و اعتدلت معالم العدل) أى مظانّه أو العلامات الّتي نصبت في طريق العدل لسلوكه (و جرت على أذلالها السّنن) أى جرت على محاجّها و مسالكها بحيث لا تكون فيها اعوجاج