منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٠٤ - المعنى
مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ.
(فعليه) أى على ذلك العقد (يتحابّون و به يتواصلون) لأنّ الأرواح جنود مجندّة ما تعارف منها ائتلف و ما تخالف منها اختلف كما في النّبوى ٦.
فقد قيل: إنّ المراد به انّ الأرواح خلقت مجتمعة على قسمين مؤتلفة و مختلفة كالجنود الّتي يقابل بعضها بعضا ثمّ فرّقت في الأجساد، فإذا كان الايتلاف و المواخات أوّلا كان التعارف و التوالف بعد الاستقرار في البدن و إذا كان التناكر و التخالف هناك كان التنافر و التناكر هناك.
و لعله إلى ذلك ينظر ما رواه في الكافي عن حمزة بن محمّد الطيار عن أبيه عن أبي جعفر ٧ قال: لم تتواخوا على هذا الأمر إنّما تعارفتم عليه.
و مثله عن ابن مسكان و سماعة جميعا عن أبي عبد اللّه ٧ قال: لم تتواخوا على هذا الأمر و إنما تعارفتم عليه.
يعنى أنّ المواخاة على الولاية و الاخوّة في الايمان كانت ثابتة بينكم في عالم الأرواح و لم تقع هذا اليوم و في هذه النشأة و إنّما الواقع في هذه النّشأة هو التعارف الكاشف عن مواخاة عالم الأرواح الناشي منه.
تشبيه المعقول بالمعقول- استعاره مرشحة- استعاره مجردة (فكانوا) في تفاضلهم على ساير الناس (كتفاضل البذر) و هو أوّل ما يعزل من البذر للزراعة من الحبوب (ينتقى) و يزكى (فيؤخذ منه) الرّدى (و يلقى) فلا يبقى منه إلّا الجيّد الخالص (قد ميّزه) الانتقاء و (التّخليص و هذّبه التّمحيص) و التّميز.
و محصّله أنّ تفاضلهم كتفاضل البذر المنتقى جيّده و الملقى ردّيه، و هو من تشبيه المعقول بالمعقول، و تعقيبه بالانتقاء و الالقاء ترشيح لأنّهما من خواصّ المسند به و بالتّخليص و التّمحيص تجريد لكونهما من ملايمات المشبّه، فهو من قبيل التّشبيه المرشّح المجرّد، و قد مرّ توضيحه في ديباجة الشرح عند ذكر أقسام الاستعارات.
و قد وقع نظير هذا التّشبيه في حديث أبي عبد اللّه ٧ المروىّ في البحار