منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٢٢ - الفصل الاول منها
و أمّا بالنظر إلى أنّ للانسان حسّا برزخيا يسمع و يبصر و يتلذّذ و يتألم به من غير وساطة عصب و دماغ و جارحة و لا يمنعه حجاب اللحد و ظلمة القبر و بعد المنازل شرّع التلقين و ورد ما ورد من الروايات ذكرناها أو لم نذكرها.
و بالجملة فكلام أمير المؤمنين ٧ ناظر إلى الحسّ الدّنيوى و ما ورد فى تلك الروايات ناظر إلى الادراك الاخروى و لا منافاة بينهما و لا يريدون أنّ الميّت لم يمت و لا أنّه إذا مات فات و الروح مدرك بذاته و البدن مدرك بالروح و المدرك بالذات أقوى و أشدّ فى الادراك من المدرك بالغير كما فى كلّ صفة.
و الطبيعيون يزعمون أنّ الادراك عبارة عن تأثر العصب من المحسوس الخارجى كتأثر عصب البصر عن النور، فاذا لم يكن عصب لم يكن إدراك و لذلك إذا خدر الأعصاب بالأدوية المخدّرة زال البصر و كلّ حس آخر.
و الجواب أنّه لو كان الأمر كذلك لم يكن اللّه تعالى و الملائكة المقرّبون مدركين عالمين بشىء إذ لا عصب لهم و لا انفعال و العصب لا يستطيع أن يدرك إلّا بواسطة الروح و إذا تقطعت العلاقة بين العصب و الروح زال الادراك عن العصب لا عن الروح كالشمس إذا غاب عن الجدران زال الضوء عن الجدران لا عن الشمس فلم يزل الادراك عن الميّت مطلقا بل بمقدار أن لا يكون دفنه فى التراب أو القائه فى البحر ظلما و اجحافا عليه و تعذيبا له كالقاء الاحياء فى البحر.
(فاحذروا الدّنيا فانها غدّارة غرّارة خدوع معطية منوع ملبسة نزوع) وزن فعول إذا كان بمعنى الفاعل يستوى فيه المذكر و المؤنّث و لذلك وصف به الدّنيا (لا يدوم رخاؤها و لا ينقضي عناؤها و لا يركد بلاؤها) و هذا الكلام بالغ فى البلاغة غايتها فى وصف الدّنيا و التزهيد عنها و الوصف بعينه مما يعرفه أصحاب الهوى و القائلون بالطبائع و أمثالهم و يجعلونه عذرا فى لزوم اللّذات و متابعة الشهوات و يقولون إذا كانت الدّنيا منقلبة غير ثابتة لا تدوم أحوالها وجب اغتنام الفرصة مهما أمكن فى الاستمتاع باللذات و المبادرة إلى الشهوات لئلا يفوت الفرصة و يحرم الانسان منها فما دام حيا شابا ذا قدرة و مقدرة يتسرّع إلى ما لا يتمكن منه بعد ذلك و أمّا