منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٥٥ - المعنى
الانس و المحبّة قلبه حتّى لا يشعر من امور الدّنيا شيئا ما لم يتكرّر على سمعه مرارا، مثل العاشق الولهان، فانّه يكلّم النّاس بلسانه و انسه في الباطن بذكر حبيبه، فالمحبّ من لا يطمئنّ إلّا بمحبوبه، و لا يسكن إلّا إليه كما قال تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (و ان صبّت عليهم المصائب لجئوا إلى الاستجارة بك) أى إن نزلت عليهم مصائب الدّهر و مكائده من الالام و الأسقام و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات و غيرها اعتصموا بك و استندوا إلى طلب الأمان منك في دفعها و رفعها و الوقاية عنها و إنّما يلجئون اليه تعالى لما لهم من وصف التوكل عليه و الانقطاع عمّن سواه (علما) منهم (بأن أزمة الامور) الحادثة في الملك و الملكوت كلّها و من جملتها المصائب المصوبة عليهم (بيد) قدرت (ك) و قبضة مشيّتك (و مصادرها عن قضائك) كما اشير اليه في قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ فالخزائن عبارة عمّا كتبه القلم الأعلى أولا على الوجه الكلّي في لوح القضاء المحفوظ عن التّبديل الّذى منه يجرى ثانيا على الوجه الجزئي في لوح القدر الّذى فيه المحو و الاثبات مندرجا على التنزيل.
فالى الأوّل اشير بقوله وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ و بقوله عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ و الى الثّاني بقوله وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ و منه ينزل و يظهر في عالم الشّهادة كما قال تعالى تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ هذا.
و لمّا فرغ ٧ من مقدّمات الدّعاء و المسألة شرع في أصل غرضه منها فقال (اللهمّ إن فههت) أى عجزت و عييت (عن مسألتي كنايه أو عمهت) أى تردّدت و تحيّرت (عن طلبتي) أى مطلوبي و مرادى و هو كناية عن عدم اهتدائه إلى وجوه المصالح (فدلّنى على مصالحى) أى اهدنى إلى ما هو صلاح لى فى دنياى و آخرتى ممّا يقرّبنى عن رضاك و يجنّبنى من سخطك (و خذ بقلبى إلى مراشدى) أى مل به و اصرفه إلى محالّ الرشاد و موارد الصّلاح و السّداد فى المبدأ و المعاد.