منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢١٥ - المعنى
و لمّا ذكر تناوشهم من مكان بعيد تعريضا به عليهم أردفه بقوله استفهام توبيخى- استفهام انكارى (أ فبمصارع آبائهم يفخرون) تقريعا و توبيخا، و أكدّ بقوله (أم بعديد الهلكى يتكاثرون) انكارا.
و لما كان هنا مقام أن يسأل عن علّة إنكاره للتكاثر الهلكى وجهة تقريعه و توبيخه لهم به أجاب عن ذلك بقوله (يرتجعون منهم أجسادا) يعنى استحقاقهم للتّوبيخ و الملام من جهة أنّهم يطلبون من الهلكى رجوع أجسادهم إلى الدنيا و هو طلب غير عقلانى لأنّ تلك الأجساد قد (خوت) أى خلت من الأرواح و ارتفعت عليها الحياة فرجوعها إلى الدّنيا محال و طالب المحال يعدّ في زمرة السفهاء و يستحقّ الطعن و التعزير و الانكار.
فان قلت: ما معنى ارتجاعهم للأجساد؟
قلت: إنّهم حيث تكاثروا بالأموات و تفاخروا بهم فكأنّهم طلبوا منهم أن يرجعوا إلى الدّنيا و يدخلوا في حزبهم فيكثر بهم عددهم و يتمّ به فخرهم و شرفهم.
(و) يطلبون أيضا رجوع (حركات سكنت) أى يرتجعون من الأموات حركات أبدانهم ليتحرّكوا إليهم و يدخلوا في زمرتهم، و هو أيضا طلب للمحال لأنّ تلك الحركات قد فنت و نفدت و تبدّلت بالسّكون بطروّ الموت عليها و ما هو كذلك فلا يطلبه العاقل.
ثمّ أكّد التّوبيخ بقوله (و لأن يكونوا عبرا أحقّ من أن يكونوا مفتخرا) لأنّ مقامهم مقام الاعتبار لا مقام الافتخار (و لأن يهبطوا بهم جناب ذلّة أحجى) و أجدر (من أن يقوموا بهم مقام عزّة) لأنّهم بأنفسهم في بيت الوحدة و دار الوحشة على غاية الابتذال و الذّلّة صار و اعظاما نخرة و أجزاء متفتّتة و جيفا منتنة يهرب منها الحيوان و يتنفّر منها كلّ انسان و يكرهها لشدّة الانتان بل صاروا أوراثا في أجواف الدّيدان، و من هذا حاله فينبغي أن يهرب منه و يتنفّر لا أن يتعزّز به و يفتخر، بل ينبغي أن يدفع قرابته و تنكر لأنّ النّسبة إليه تورث الذّلّة و تبطل العزّة بجلب الابتذال و الانكسار لا الشرف و الافتخار.