منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٩٥ - المعنى
أمّا الجوع فانّه ينقص دم القلب و يبيضه و يلطفه و فى بياضه و تلطيفه نوره و يذيب شحم الفؤاد و فى ذوبانه رقّته و رقته مفتاح انكشاف الحجب كما أنّ قساوته سبب الحجاب، و مهما نقص دم القلب ضاق مسلك العدوّ الشيطان فانّ مجاريه العروق الممتلئة بالشهوات، و لذلك قال رسول اللّه ٦: إنّ الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدّم فى العروق فضيّقوا مجاريه بالجوع، أو قال بالصوم و فى حديث آخر ألا اخبركم بشىء ان أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال ٦: الصّوم يسوّد وجهه الحديث.
ففائدة الجوع فى كسر شهوات المعاصى كلّها و الاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء أمر ظاهر لأنّ منشأ المعاصى كلّها الشهوات و القوى و مادّة القوى و الشهوات لا محالة الأطعمة، فتقليلها يضعف كلّ شهوة و قوّة و يكسر سورة النفس الأمّارة كالدابة الجموح إذا شبعت شررت و جمحت لا يمكن ضبطها باللجام، و إذا جاعت ذللت و انقادت و بالجملة فالشبع يورث القسوة و الشهوة و السبعية، و الجوع يوجب الرّقة و انكسار الشهوة و الصولة، و هو مشاهد بالتجربة، و من هنا قيل: مفتاح الدّنيا الشبع و مفتاح الاخرة الجوع، و قال النبىّ ٦ من أجاع بطنه عظم فكرته و فطن قلبه و قال أيضا أحيوا قلوبكم بقلّة الضحك و قلّة الشبع و طهّروها بالجوع تصفو و ترق.
و أما الصمت فينبغى أن لا يتكلّم إلّا بقدر الضرورة لأنّ الكلام يشغل القلب و ميل القلوب إلى الكلام عظيم، فانه يستروح اليه و يستثقل التجرّد للذّكر و الفكر و فى الحديث طوبى لمن أنفق فضول ماله و أمسك عن فضول كلامه، هذا فى الكلام المباح و أما الكلام الغير المباح من الكذب و النميمة و البهت و غيرها فبينه و بين السلوك إلى الحقّ بون بعيد بعد المشرقين.
و أما السهر فانه يجلو القلب و يصفيه و ينوّره و لذلك مدح اللّه سبحانه المستغفرين بالأسحار لأنها أوقات صفاء الذّهن و نزول الرّحمة و الألطاف الالهيّة، فيضاف صفاء السّهر إلي الصفاء الحاصل من الجوع فيصير القلب كالكوكب الدّرىّ و المرآة المجلوة مستعدا لافاضة الأنوار الالهيّة، فيلوح فيه سبحات جمال الحقّ و يشاهد