منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٩٣ - المعنى
و لكيفيّة سلوكه و لمال أمره و لعمرى إنّه لا يوجد كلام أوجز من هذا الكلام في أداء هذا المعني، و هو في الحقيقة قطب دائرة العرفان و عليه مدارها، و في الايجاز الّذي هو فنّ نفيس من علم البلاغة تالي كلام الملك الرّحمن، مثل قوله: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ الجامع للزّهد كلّه و قوله «خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين» الجامع لمكارم الأخلاق جميعا، و شرحه يحتاج إلى بسط في المقال بتوفيق الربّ المتعال فأقول مستعينا باللّه و بوليّه ٧:
قوله ٧ (قد أحيا عقله و أمات نفسه) المراد بعقله العقل النظرى و العملي و بنفسه النفس الأمّارة بالسّوء و المراد بحياة الأوّل كونه منشئا للاثار المترتّبة عليه مقتدرا على تحصيل الكمالات و المعارف الحقّة و مكارم الأخلاق المحصّلة للقرب و الزّلفي لديه تعالى، و بموت الثّاني بطلان تصرّفاته و آثاره المبعدة عنه عزّ و جلّ بحذافيره، فانّ الحياة و الموت عبارة اخرى عن الوجود و العدم لا أثر له أصلا.
و أراد باحيائه الأوّل و إماتته الثاني تقويته و تغليبه له عليه بحيث يكون الأوّل بمنزلة سلطان قادر قاهر يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، و الثاني بمنزلة عبد ذليل داخر مقهور لا يريد و لا يصدر إلّا باذن مولاه.
و لا يحصل تقوية الأوّل و تذليل الثاني إلّا بملازمة الكمالات العقلانية و المجاهدة و الرّياضة النفسانية، و المجاهدة عبارة عن ذبح النفس بسيوف المخالفة كما قال تعالى وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى و قال رسول اللّه ٦ لما بعث سرية و رجعوا: مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر و بقى عليهم الجهاد الأكبر، فقيل: يا رسول اللّه و ما الجهاد الأكبر؟ قال:
جهاد النفس.
و قال بعض أهل العرفان: جاهد نفسك بأسياف الرّياضة و الرّياضة على أربعة أوجه القوت من الطعام، و الغمض من المنام، و الحاجة من الكلام، و حمل الأذى من جميع الأنام، فيتولّد من قلّة الطعام موت الشهوات، و من قلّة المنام صفو الارادات،