رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣٣٥ - الرحلة من تعز(TAA'S) إلى صنعاء
بطريقة غريبة لأنه يسلك الدرب الطويل، و ينضم للموكب عدد كبير من الذين أدّوا واجباتهم الدينية في المساجد الأخرى. و لقد غادر الإمام الجامع الرئيس بعد أن أدّى الصلاة في ذاك اليوم (٢٢ تموز/ يوليو)، و توجه عبر باب اليمن إلى باب شرارة(Sch r ra) و منه إلى خارج المدينة. و يسبق الإمام بضع مئات من الجند، و يحمل الخدم إلى جانب الإمام و كل أمير من عائلته مظلة أو شمسية كبيرة، و هي مزيّة لا تحقّ إلا للأمراء الأقحاح، لذا لا يسمح السلطان في القسطنطينية إلا لوزيره بالحصول على نوع من الجندول المغطى من الأمام لاتقاء حرارة الشمس. و يقال إن الأمراء المستقلين في أقاليم اليمن الأخرى كمشايخ يافع و حاشد و بكيل، و شريف أبي عريش و غيرهم، يخصصون خدما لحمل هذه المظلة(Mad lla) كدليل على استقلالهم. و يتبع الإمام، فضلا عن الأمراء، حوالي ٦٠٠ رجل من الأعيان، من رجال دين و علماء، و عسكريين، يمتطي بعض منهم جيادا رائعة، و يرافق عدد من الشعب الإمام سيرا على الأقدام. و يسير إلى جنب الإمام حملة الأعلام من الجهتين، لكنها أعلام مختلفة عن تلك التي نراها في بلادنا أو تعلوها مجمرة عطور صغيرة من الفضة، و يقال إنها تحمل تعويذات تجعل الإمام لا يقهر. و ينتشر حملة البيارق مع مجمرات ضمن المسيرة لكن لا يبدو أن لها مكانا محددا؛ باختصار كانت المسيرة ضخمة و رائعة جزئيا، لكنها غير منظمة بحسب ما بدا لي، إذ يركض البعض، و يمتطي البعض الآخر الجياد، و يتداخلون من دون مراعاة أي نظام. و على مقربة من باب شرارة، وقفت جمال، تحمل هوادج فيها بعض نساء الإمام اللواتي يشاركن بالمسيرة لكن يقال إنها كانت فارغة و أنها نقلت إلى خارج المدينة كي لا يخالفوا العادة، و يتبع هذه الجمال بعض الإبل غير المحملة، لا يحمل الواحد منها على سرجه سوى أعلام للزينة و أطلق الجنود عيارات نارية عند باب خرارة بارتباك لم أشهد له مثيلا في اليمن. و بما أني كنت مريضا، لم أشأ التعرض لأشعة الشمس و أنا أتجول هنا و هناك، فعدت على أعقابي إلى بئر القصب. و أجرى الجنود بعض العروض العسكرية أمام منزل الإمام، و أظهر مسؤولوهم براعة في السباق، و لم يجد السيد كرامر، الذي حضر الاستعراض، الجنود أبرع من أولئك الذين شاهدناهم مرارا في الأقاليم، و يكون ذلك عند عودة صاحب الدولة من المسجد. و تقفل أبواب المدينة كلها أثناء الصلاة- على ما يبدو- للسبب نفسه الذي يدفع الأوروبيين لإقفال مدنهم خلال الوعظ، و ليس خوفا، كما قرأته في بعض الروايات، من أن يفاجئهم المسيحيون نهار الجمعة كما تقول نبوءة مزعومة.
و استقبلنا في صنعاء بلياقة و صداقة لم نكن نتوقعهما، و أراد بعض الأعيان إقناعنا بالبقاء لعام آخر في اليمن، و بعدم الإبحار مع السفن الإنكليزية. و لم نكن لنخشى شيئا من الشعب لو قررنا اتباع هذه النصيحة، لكن بما أن الموت حرمنا من الأستاذين و لم نعد نأمل باكتشافات جديدة حول اللغة و التاريخ الطبيعي للبلاد، و بما أنني رأيت القسم الأكبر من مدن هذه المملكة المهمة و وضعت مشروع خارطة جديدة خاصة باليمن، و بما أننا عرفنا سمات البخل عند الإمام الحالي، و بعد أن تعرضنا لمشاكل عدة مع صاحب دولة تعز و المخا،- و لو أننا لم نعد نخشى هذه الأمور- و بعد الصعوبات الدائمة التي و اجهناها،