رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣٣٦ - الرحلة من تعز(TAA'S) إلى صنعاء
و تغييرات الطقس و الماء التي تعرضنا لها في الجبال و السهول، فمرضنا الواحد تلو الآخر، قررنا التوجه إلى المخا و منها إلى الهند حفاظا على أرواحنا و أوراقنا. و حصلنا على إذن مغادرة صنعاء على إذن مغادرة صنعاء ساعة نشاء، لكن كان ينبغي أن نستأذن وفقا للأصول و أن نعرض على الإمام في الوقت نفسه ما شاهده الفقيه أحمد سابقا مما أخّر سفرنا لأيام عدة.
و أرسل بطلبنا للمرة الثانية في ٢٣ تموز/ يوليو، و اقتدنا إلى القاعة نفسها في بستان المتوكل حيث قابلنا الإمام في المرة السابقة. لكن الأمور حصلت في صمت تام ذاك اليوم، و جلس الإمام على الارتفاع الأول، لا أمام العرض، إنما في إحدى جهات القاعة على كرسي أوروبي، صنعه هندي من القصب في صنعاء.
و قبلّنا راحة يده و ظهرها، وفقا لعادات العرب، فضلا عن انحناء على مستوى الركبة، و لم يكن حاضرا سوى الفقيه أحمد و الكاتب الذي أحضرنا و ستة إلى سبعة عبيد و خدم. و لم يسمح لأي من خدمنا بالدخول، لأن الفقيه أحمد اعتبر أني قادر على التكلم بالعربية. و بدا أن ما عرضناه على الإمام أثار إعجابه، و طرح علينا أسئلة حول التجارة و الفنون و العلوم في أوروبا، و تمّ إحضار علبة مليئة بالأدوية قدمها إنكليزي للإمام فشرح السيد كرامر اسم كل دواء و كيفية استعماله و أمر الإمام بكتابة ما ذكره الطبيب بالعربية.
و غادرت المنزل مريضا، و ازدادت حالي سوءا من الوقوف طويلا، فطلبت الإذن للخروج من القاعة، و وجدت أمام الباب عددا من ضباط البلاط، يجلسون على حجارة في الفيء و من بينهم النقيب خير الله الذي تحدثت معه في السابق مرات عدة. و ترك لي هذا الأخير مكانه و أخذ يحمل بعض الحجارة لبناء مقعد آخر لنفسه، و طرحوا عليّ العديد من الأسئلة حول عادات الأوروبيين و تقاليدهم و من بينها عادة شرب الكحول التي لم ترق لهم. لكن حين أكدت لهم أن السّكر ممنوع على المسيحيين أيضا، و أنهم يعاقبون على ذلك، و أن ما من أوروبي عاقل يشرب أكثر مما تسمح به صحته، أغضبتهم هذه العادة أكثر من قوانينهم التي تمنعهم من شرب الكحول نهائيا في حين أنها تكثر في بلادهم، و أنهم يشربونها أحيانا كعلاج. وعدت إلى القاعة، و استأذنا من الإمام بالطريقة نفسها التي دخلنا بها عليه، بعد أن شرح له السيد كرامر كيفية استعمال الأدوية و أجبنا على أسئلة عدة. و بعد الظهر، و دعنا الفقيه أحمد و بعض الأعيان.
إن لسلوك الدرب الذي يمرّ عبر يريم و تعز، في طريق العودة من صنعاء إلى المخا، سببا وجيها و مهما و هو نسخ كتابات حراتة و جعفر التي أعتقد أنها كتابات حميرية، لكن بما أن الهدف الأول للرحلة ليس البحث عن الآثار، و بما أني لا أجد عادة سوى بقايا غير مهمة حيث يعلمني العرب بوجود آثار شهيرة و كتابات غريبة، اخترنا أن نسلك الدرب الذي يمر في موفاق(Mo ?fh k) و في بيت الفقيه. و باختياري هذا الطريق، سأتمكن من تحسين خرائطي عن اليمن، و سنتمكن من رؤية تهامة في فصل آخر من السنة أي في موسم الأمطار. و لم يكتف الفقيه أحمد، الذي عرضنا له صراحة أننا نفضل الوصول إلى بيت الفقيه عبر طريق لم نسلكها من قبل، بإعطائنا حرية اختيار طريقنا، بل وعدنا بأنّ يؤمّن لنا الإمام الحمير و الجمال.