رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٣٢١ - الرحلة من تعز(TAA'S) إلى صنعاء
يتدلى على أكتافهما. و يحملان في اليد اليمنى خنجرا طويلا و في اليسرى درعا كبيرا، و ظننا أنهما سيظهران براعة فائقة و لا فتة في المبارزة، لكنهما اكتفيا بالوثب على وقع الطبول و بالقيام ببعض ألعاب الخفّة.
وصف الشريف الإدريسي في كتابه أسواق اليمن، و لم أحاول دراستها لأني كنت أتجنب الجموع الكثيرة. لكن بعد أن بقيت لبضعة أيام في يريم دون أن أغادر المنزل، توجهت إلى السوق كي أبدد كآبتي، و كان قد تجمّع فيه عدد من الناس جاؤوا من القرى المجاورة لشراء المؤن و المواد الضرورية للعائلة و بيعها. و لم أر في السوق أي محال غنية، بل خياطين، و إسكافيين، و حدادين و حرفيين آخرين يحيطون بالشارع أو على الأرجح بالساحة، أو يتوزعون حولها ضمن جدران منخفضة و سيئة البنيان و يعملون في الهواء الطلق. و صادفت هناك حجامين يشرطون و يجرحون العرب بسكين عادي ثم يضعون على الجرح قرون تيس قصّت من جذورها، و لا يملك هؤلاء معدات أفضل و هي كتلك التي استخدمت لشفاء الأب لوبو من الحمى (*).
و بدا أن السيد فورسكال يتماثل للشفاء في الأيام الأولى التي أمضيناها في يريم، لكن المرض استشرى من جديد حتى فقدنا الأمل بشفائه، ثم غطّ في سبات عميق في ١٠ تموز/ يوليو مساء، و وافته المنيّة في هذه الحالة، في اليوم التالي أي في ١١ تموز/ يوليو قرابة الساعة الواحدة و النصف. و أسفنا لفقدانه كثيرا، لأن تعاطيه مع عامة الشعب، بسبب حبّه لجمع النبات، مكّنه من تعلم اللغة العربية أفضل من كافة أعضاء البعثة، فضلا عن اللهجات المختلفة، فأصبح بالتالي الناطق باسمنا جميعا، كما أن نجاح رحلتنا كان من أبرز همومه، و كأنه ولد ليقوم برحلة إلى شبه الجزيرة العربية، فلم تكن الصعوبات تثنيه، و لا نقص وسائل الراحة يرده عن هدفه. اعتاد أولا على طريقة عيش السكان، و هو أمر ضروري إذا ما أردنا السفر في شبه الجزيرة العربية و الوصول إلى الهدف المرسوم، و لا يمكن لعالم عظيم من دونه أن يقوم بالكثير من الاكتشافات في هذه البلاد. و كان يتوجب علينا إعلام الحاكم بوفاة رفيقنا و شراء مكان لقبره، فأرسلنا خادم قاضي تعز إلى صاحب الدولة و قاضي البلاد، فدلّه هذا الأخير على عربي يمكننا أن نشتري منه مكانا لدفن صديقنا. و باعنا الرجل بالفعل أرضا لكن هذه العملية التجارية لم تتمّ، إذ إن المكان يقع قرب قناة صغيرة تجرّ فيها المياه لريّ الحقول المجاورة، فهدد الجيران المالك بجعله يدفع الثمن إن شحّت المياه بسبب جسد هذا الإفرنجي. و بما أن الرجل يفضل عدم كسب المال على إثارة غضب و نقمة جيرانه الجهلة، اضطررنا إلى البحث عن مكان آخر و وجدناه بالسعر نفسه. و طاب لصاحب الدولة بعدها الاجتماع بأحد أعضاء البعثة و التشاور معه، فقال لي إنه يملك و بصفته حاكم هذه المقاطعة، حق الوراثة على تركة اليهود و البانيان الذين يموتون خلال سفرهم في منطقته، فأجبته أن الميت ليس يهوديا و لا بنيانيا
(*) رحلة إلى الحبشة، بقلم لوغران(Le Grand) ، ص ٢٦.