رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٥٣ - الرحلة من جدة إلى مخيّة
الأوروبي قدر المستطاع، أثارت الطاولة و المقاعد و الصحون و الملاعق و السكاكين و الشوك استغرابه. و طرح بعض الأسئلة و أعطى ملاحظات جدية حول عاداتنا، و لما ضحكنا من بساطته، خرج خجلا، لكن صديقه نجح في العودة معه مرات عدة. و يقدم العرب اللحم مقطعا، فرأى على مائدتنا فراريج مشوية كاملة، و كنا قد أكثرنا من الطعام برأيه، فظنّ أن علينا التوقف عن الأكل، إنما حين رأى السيد دي هافن يتحضر لتقطيع فروج آخر، شده من ذراعه و سأله عن الكمية التي ينوي التهامها، و أثار سؤاله ضحكنا، فخرج الرجل بسرعة و لم يتمكن صديقه من اللحاق به. و تمنى علينا هذا الأخير ألّا نستاء من قلة التهذيب التي أظهرها رفيقه لشدة بساطته و انسحب بدوره. لا بد أن هذا العربي سيروي في موطنه الأخبار عن غرائب عادات الأوروبيين، و سيستمع إليه الجميع بحماسة كما يستمع الأوروبيون لأولئك الذين يروون مغامراتهم المزعومة في بلاد بعيدة.
و استمتعنا بإقامتنا في المخيّة، حتى طاب لي و للسيد بورنفند أن نعزف على كمانينا عند المساء كثنائي.
مما جعل جيراننا و المارة يظنون أننا موسيقيون. و طلب منا تاجر عجوز، سمع بأخبار موسيقانا، أن نزوره و نحضر معنا القيان، لكننا رفضنا لعلمنا أن الموسيقيين لا يتمتعون بالمكانة و الاحترام اللازمين بين العرب.
و دفعت الحشرية لرؤية الأوروبيين هذا العجوز، الذي لم يكن قادرا على السير، إلى الطلب من خدمه بأن يضعوه على حماره، و أن يسندوه كي يتمكن من زيارتنا. و كان الرجل مهذبا للغاية و أكّد لنا أنه لا يكره المسيحيين، و أن ديانته لا تسمح له بذلك لأن الله خلق الناس أجمعين و يتقبّل الديانات كلها، و أنه يفضّل المسيحيين على أولئك الذين يتبعون ديانات غريبة، و ذكر لنا حديثا من الصحيح يقول فيه محمد إنه يمكن أن تأمن جانب المسيحي أكثر من اليهودي. و بعد تناول مواضيع متعددة، تحوّل الحديث إلى الموسيقى، و أعرب العجوز عن رغبته برؤية آلاتنا، و بسماعنا نعزف عليها، فقمنا بعزف بعض المقطوعات الهادئة التي تعجب الشرقيين و إن كانوا لا يتذوقون موسيقانا. و سرّ العجوز كثيرا، و أراد إعطاء كل واحد منا نصف درهم لدى مغادرته، و لا يردّ العرب عامة أيّة هدية مهما كانت صغيرة، لذا فاجأ رفضنا للمال العجوز الذي كان يعتقد أن ما من أحد يتكبّد مشقة تعلّم العزف إلّا لكسب المال، و أننا نحتاج لبعض المساعدة لأننا نصرف الكثير من دون أن نكسب من تجارة ما.
و كان هذا التاجر من القلائل الذين رأيت لحاهم مصبوغة باللون الأحمر، و لم يذكر لي أي سبب لذلك سوى أنّ اللحية الحمراء أجمل من اللحية البيضاء، في حين يرى الآخرون أنه يحاول إخفاء تقدمه بالسن. و استنتجت من ذلك أن العاقلين بين العرب لا يوافقون على عادة صبغ اللحية باللون الأحمر، و لا حظت في هذا المناسبة، و في مناسبات أخرى، أن المسلمين لا يكترثون أبدا لسنّهم. و حين نستعلم عن أعمارهم يجيبون أنهم ولدوا حين كان فلان أو فلان في الحكم أو أنهم كانوا فتيانا حين وقع هذا الحدث أو ذاك، لكن تاجرنا هذا أوضح الأمور أكثر، فهو يعلم أنه في السبعين من عمره و لا يظن أنه تجاوز