رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٣٧ - ملاحظات في جدة
التي تصدّر جزئيا، فتزوّدها مصر بالجوخ الفرنسي، و بالورق، و بالقصدير، و بالرصاص، و بالحديد، و بصفائح الفولاذ، و بالزئبق، و بالإبر، و بالسيوف، و بالسكاكين، و بالزجاجيات الملوّنة و الأساور التي تستخدمها النساء من عامة الشعب للزينة. و ينتقل سنويا من جدة إلى اليمن و الهند عدد كبير من دوقيات البندقية، و النقود الألمانية. كما تموّن جدة القاهرة بمنتجات اليمن من بن و أوراق حنة فقط، فيما تموّنها الهند بالشباك الناعمة و الأقمشة الثمينة، و الأحجار الكريمة، و اللؤلؤ، و العطور المختلفة، و البهارات و غيرها من البضائع القيّمة. و ينبغي دفع الرسوم لجدة على هذه البضائع إن جاءت من مصر، أو اليمن أو الهند، و تبلغ هذه الرسوم عشرة بالمئة من قيمتها التي تقوم الجمارك بتحديدها فيضطر التجّار أحيانا إلى دفع ١٢ إلى ١٥ بالمئة. و يتمتع الإنكليز- و هم الوحيدون بين الأمم الأوروبية الذين يقصدون جدة اليوم- بالأفضلية على التجار الهنود المسلمين، و على رعايا السلطان، فلا يدفعون سوى ٨% من قيمة البضاعة، و لا يدفعونها نقدا بل يستعيضون عن المال بتقديم البضائع. أما بالنسبة لتلك التي تباع بالوزن، كالسكر، و البهارات، إلخ فيضطرون إلى دفع ٨% نقدا استنادا إلى القيمة التي تحددها الجمارك.
و يعتقد ماييه(Maillet) أن قيام تجارة في الهند، تمرّ عبر مصر و الخليج العربي تفيد الفرنسيين، لكن إن اضطروا إلى دفع الرسوم، يخشى ألا يربحوا الكثير من المال، و لا نضمن أن يسمح لهم بعبور مرفأ جدّة.
و منذ سنوات قليلة، لم يتمكن مركب من السراة(Sur t) ، دفعته الرياح الجنوبية بقوة نحو الشمال، من الوصول إلى هذا المرفأ، فتوجه إلى السويس و منها عاد إلى الهند. و في السنة التالية، أرغم التجار على دفع الرسوم عن هذه الشحنة، و زجّ القبطان، و هو مسلم من الهند، في السجن حتى دفعت كفالته. و لم يمنح أحد الأوروبيين على الأرجح إذنا بالتوجه من جدة إلى السويس، و سمعت أن تجارا من جدة عرضوا حمولة ما على قبطان إنكليزي- و لا أشك أن التجار المسلمين يفضلون استخدام السفن الأوروبية- لكن حاول ربابنة القاهرة، و هم من كبار التجار، وضع العراقيل في طريقهم كي لا يفقدوا أرباحهم، و يمكنهم و بسهولة أن يسببوا مشاكل عدة للربابنة الأوروبيين الذين يقصدون السويس. و قد أمضى تاجر إنكليزي سنوات عدة في هذا العمل، لكن هذه الأمة تستفيد أكثر حاليا من عودة رعاياها و سفنها سنويا.
و يتقاسم باشا المدينة و شريف مكة مردود جمارك جدة، لهذا، يبقى كخيا الباشا و مندوب الشريف، الذي يحمل لقب وزير، يوميا في الجمارك عند وصول السفن و قبيل رحيلها. و لا يبدو أن كخيا جدة خاضع للباشا فقط، كما هو الحال فى المقاطعات التركية الأخرى، إذ يبقى في منصبه لسنوات عدة في حين يتمّ تغيير الباشا تقريبا سنويا، علما أن الباشا، حين كنا في جدة، أرسل موظفا آخر إلى الجمارك لأن الكخيا رفض تفتيش البضائع بالصرامة التي يطلبها، لكنه استمر في تأدية المهام الأخرى المسندة إليه.
و يخضع رعايا الشريف، المقيمين في جدة، لسلطة الوزير الذي ينبغي أن يكون من إحدى العائلات التي يحقّ لها المطالبة بمهام السيادة في مكة أو بلقب الشريف. و إن استدعي الشريف، أي المولود في إحدى عائلات الحجاز الأولى النبيلة، للمثول أمام القضاء، يرفض المثول أمام قاض أدنى منه من حيث المستوى الاجتماعي.