دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٨ - سعة علمه و منزلته بين علماء عصره
نعيم الحافظ الكبير محدّث العصر ... رحلت الحفّاظ إلى بابه لعلمه و حفظه و علو أسانيده.
و يعترف أحمد بن محمد بن مردويه أيضا بأنّ أبا نعيم كان محدّث العصر بلا منازع فقال: كان أبو نعيم في وقته مرحولا إليه، لم يكن في أفق من الآفاق أحد أحفظ و لا أسند منه، فإنّ حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده، و كل يوم نوبة أحد منهم، يقرأ ما يريده إلى قريب الظهر، فإذا قام- أبو نعيم- إلى داره، ربما كان يقرأ عليه في الطريق جزءا، و كان لا يضجر.
أمّا الخطيب البغدادي فإنّه يعترف لأبي نعيم بقصب السبق فهو يقول: «لم أر أحدا أطلق عليه اسم الحافظ غير أبي نعيم و أبي حازم العبدري».
و يذكر حمزة بن العباس العلوي أنّ أصحاب الحديث قد قالوا: بقي أبو نعيم فترة طويلة من الزمن و هو لا نظير له أبدا فقال «كان أصحاب الحديث يقولون: بقي الحافظ أبو نعيم أربع عشرة سنة بلا نظير، لا يوجد شرقا و لا غربا أعلى إسنادا منه، و لا أحفظ منه».
و هكذا نجد أنّ المحدثين جميعا قد اتفقوا على أنّ أبا نعيم كان محدث عصره، و أنّه لم يكن له نظير في كثرة ما يحفظ، و لا في علو الإسناد [١].
و حيازة محدث الأسانيد العالية ميزة ترجحه على غيره من المحدثين، فالمحدثون يتحرون الأسانيد العالية و يرحلون في طلبها، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه «طلب الاسناد العالي سنة عمن سلف».
و ذلك لأنّ العلو يبعد الإسناد عن الخلل لأنّ كل رجل من رجال السند
[١] الاسناد العالي: هو الذي قلّ عدد رجاله مع سلامتهم من الضعف و هو على خمسة أقسام:
[١] قربه من الرسول (صلى اللّه عليه و سلم). (٢) قربه من إمام من أئمة الحديث. (٣) العلو بالنسبة إلى رواية الصحيحين أو أحدهما أو غيرهما من الكتب المعروفة المعتمدة. (٤) العلو المستفاد من تقدم وفاة الراوي. (٥) العلو المستفاد من تقدم السماع.- انظر: بسط الكلام في مقدمة ابن الصلاح تحقيق صديقنا الدكتور نور الدين عتر صفحة ٢٣١ و ما بعدها-.