دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٢٥٥ - ذكر إسلام أبي ذر الغفاري رضي اللّه عنه
جوع [١]، فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان [٢] إذ ضرب اللّه على أسمختهم [٣] فما يطوف بالبيت أحد غير امرأتين، فأتتا عليّ و هما تدعوان إسافا و نائلة [٤]، قال، قلت: أنكحا إحدهما الأخرى، قال، فما تناهتا عن قولهما، قال، فأتتا عليّ فقلت هن [٥] مثل الخشبة، غير أني لم أكن، فانطلقتا تولولان: و تقولان لو كان ها هنا أحد من أنفارنا، فاستقبلهما رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر و هما هابطان من الجبل، فقال: ما لكما؟ قالتا: الصابىء بين الكعبة و أستارها، قال: فما قال لكما؟ قالتا: قال لنا كلمة تملأ الفم، قال فجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و صاحبه فاستلم الحجر و طاف بالبيت، فأتيته حين قضى صلاته، فكنت أول من حيّاه بتحية الإسلام، قال: و عليك و رحمة اللّه، ممن أنت؟ قلت: من غفار، فأهوى بيده إلى جبهته هكذا، فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت لآخذ يده فدفعني [٦] عنه صاحبه، و كان أعلم به مني، فقال: متى كنت ها هنا؟ فقلت: كنت ها هنا منذ ثلاثين من بين يوم و ليلة، قال: فمن كان يطعمك؟ قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسّرت عكن بطني، و ما وجدت على بطني سخفة جوع، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إنها مباركة، إنها طعام طعم، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه ائذن لي في طعامه الليلة، قال: ففعل، فانطلق النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر و انطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، قال أبوذر: فذلك أول طعام أكلته بها، قال: فغبرت ما
[١] سخفة الجوع: ما ينشأ من رقة و هزال.
[٢] إضحيان: مضيئة.
[٣] أسمختهم: آذانهم.
[٤] إساف و نائلة: إسمان لصنمين.
[٥] هن: آلة التناسل عند الرجل، القضيب.
[٦] في مسلم «فقدعني صاحبه» أي منعني و كفني.