دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ٢١٤ - الفصل الرابع عشر في ذكر بدء الوحي و كيفية ترائي الملك و إلقائه الوحي إليه و تقريره عنده أنه يأتيه من عند اللّه و ما كان من شق صدره (صلى اللّه عليه و سلم)
ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارىء، قال فأخذني فغطّني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارىء، فأخذني فغطّني الثالثة، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى بلغ ما لَمْ يَعْلَمْ- العلق ١ و ما بعدها- فرجع بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ترجف بوادره [١]، فدخل على خديجة رضي اللّه عنها، و أخبرها الخبر، و قال: قد خشيت على نفسي، فقالت له: أبشر،- فواللّه لا يخزيك اللّه أبدا إنك لتصل الرّحم، و تصدق الحديث، و تحمل الكلّ [٢]، و تقري الضيف، و تعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، و هو ابن عم خديجة أخي أبيها، و كان امرأ تنصّر في الجاهلية، و كان يكتب الكتاب العربي، فكتب بالعربية [٣] من الإنجيل ما شاء اللّه أن يكتب، و كان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له: أي اسمع من ابن أخيك فقال ورقة: يا ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بما رآه فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا [٤] أكون حيّا حين يخرجك قومك، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): أومخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي، و أوذي، و إن يدركني يومك انصرك نصرا مؤزّرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، و فتر الوحي فترة حتى حزن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)- فيما بلغنا- حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى
[١] البوادر: جمع بادرة، و هي اللحمة التي بين المنكب و العنق تضطرب عند الفزع.
[٢] الكل: بفتح الكاف هو من لا يستقل بأمره.
[٣] وقع في البخاري في رواية بمثل الذي هنا، و في أخرى يكتب الكتاب العبراني، فكتب بالعبرانية.
[٤] جذعا: في حال الشباب و القوة.