دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ١٥٦ - بيان رضاعه و فصاله و أنه ولد مختونا مسرورا (صلى اللّه عليه و سلم)
عسى أن تفعل أمّه؟ فلم تبق منهن امرأة إلا أخذت رضيعا غيري، و حان انصرافهن إلى بلادهن فقلت لزوجي: لو أخذت ذلك الغلام اليتيم لكان أمثل من أن أرجع بغير رضيع، فأتيت أمّه فأخذته، فجئت إلى منزلي، و كان لي ابن صغير و اللّه لا ينام من الجوع، فلما ألقيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على ثدييّ أقبلا عليه بما شاء اللّه من اللبن حتى روي و روي أخوه، و ناما، فقام زوجي إلى شارف [١] لنا، و اللّه ما أن تبضّ [٢] بقطرة، فلما وقعت يده على ضرعها فإذا هي حافل، فحلب، ثم أتاني فقال و اللّه يا بنت أبي ذؤيب ما أظن هذه النسمة الذي أخذناها إلا مباركة فأخبرني بخبر الشّارف، و أخبرته بخبر ثدييّ و ما رأيت منهما، ثم أصبحنا فغدونا، فكنت على أتان قمراء، و اللّه ما أن تلحق الحمر ضعفا، فلما أن وضعت عليها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جعلت تتقدم الركب، فيقولون: و اللّه إن لأتانك هذي لشأنا، قالت: فقدمنا بلادنا، بلاد سعد بن بكر، لا نعرف من اللّه إلا البركة، حتى إن كان راعينا لينصرف بأغنامنا حفّلا، و تأتي أغنام قومنا ما أن تبضّ بقطرة، فيقولون لرعيانهم: و يحكم ارعوا حيث يرعى راعي بنت أبي ذؤيب، فلم نزل كذلك، فبينما هما يوما يلعبان في بهم [٣] لنا وراء بيوتنا إذ جاء أخوه يسعى، فقال: ذلك القرشي قد قتل، فأقبلت و أبوه، فاستقبلنا و هو منتقع اللون، فجعلت أضمه إليّ مرة، و أبوه مرة، و نقول: ما شأنك؟ فيقول لا أدري، إلا أنه أتاني رجلان فشقّا بطني فساطاه [٤] فقال أبوه ما أظن هذا الغلام إلا قد أصيب، فبادري به أهله من قبل أن يتفاقم به الأمر عندنا،
[١] الشارف: الناقة المسنة.
[٢] ما تبض: ما ترشح.
[٣] البهم: صغار الغنم.
[٤] ساطه: حركه و ضرب بعضه ببعض.