دلائل النبوة - أبو نعيم الأصفهاني - الصفحة ١٤٧ - الفصل العاشر ذكر ما جرى على أصحاب الفيل عام مولده (صلى اللّه عليه و سلم) و قصة الفيل من أشهر القصص، قد نطق بها القرآن
السير، فلم يزل كذلك حتى غشيهم الليل، و خرجت عليهم طير من البحر لها خراطيم كأنّها البلس [١]، شبيهة بالوطاويط، حمر و سود، فلما رأوها أشفقوا منها، و سقط في أذرعهم فقال شمر [٢] ما يعجبكم من طير خمال جنّبها الليل إلى مساكنها، فرمتهم بحجارة مدحرجة كالبنادق، تقع في رأس الرجل فتخرج من جوفه، و كان فيهم أخوان من كندة، أمّا أحدهما ففارق القوم قبل ذلك، و أمّا الآخر فلحق بأخيه حين رأى ما رأى، فبينما هو يحدّثه عنها إذ رأى طيرا منها، قال: كان هذا منها، فدنا منه الطير ففدغه [٣] بحجر، فمات، فقال أخوه الناجي منها:
فإنك لو رأيت و لن ترانا* * * خبت لذي الغمرين ما لقينا [٤]
خشيت اللّه لمّا بثّ طيرا* * * بظلّ سحابة مرت علينا
و باتوا كلهم يدعو بحقّ* * * كأن قد كان للحبشان دينا
فلمّا أصبحوا من الغد أصبح عبد المطلب و من معه على جبالهم فلم يروا أحدا غشيهم، فبعث ابنه على فرس له سريع ينظر ما لقوا، فإذا القوم مشدّخون [٥] جميعا، فرجع يدفع فرسه كاشفا عن فخذه، فلما رأى ذلك أبوه قال إنّ ابني أفرس العرب، و ما كشف عن فخذه إلّا بشيرا أو نذيرا، فلما دنا من ناديهم بحيث يسمعهم الصوت، قالوا: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعا، فخرج عبد المطلب و أصحابه فأخذوا أموالهم، فكانت أول أموال بني عبد المطلب من ذلك المال. و قال عبد المطلب:
[١] البلس: الزرازير.
[٢] تقدم أنه «الأسود بن مفصود».
[٣] فدغ: كسر، و المراد به هنا رماه. و في إتحاف الورى «فقذفه».
[٤] في إتحاف الورى ١/ ٣٩ «لدى جنب المغمس ما لقينا».
[٥] شدخ الرأس: شجه.