المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٥٤ - توارد الحكمين مع الكلام في الترجيح بينهما بالسبق الزماني
موضوع حكمه أو لعدمه في عالم التكوين أو الاعتبار .
ولنخص الثاني باسم الورود الظاهري ، فرقا بينه وبين الأول ، الذي هو المتيقن في الجملة من مصطلحهم في الورود .
ثم إن ارتفاع الموضوع ظاهرا واحراز عدمه في الصورة الثالثة وإن استند لدليل التعبد ، إلا أنه لا بد أن يكون الرافع له واقعا نفس المجعول المتعبد به ، وهو الحكم الشرعي المحرز به ، كالحكم بخروج المال عن الملك ببيعه الذي يكون رافعا لوجوب الزكاة المأخوذ فيه الملكية . ومن هنا قد يتوسع وينسب الورود لنفس الحكم ، ويراد منه الورود الواقعي ، وان كان الورود في مصطلحهم نسبته بين الدليلين لا بين الحكمين .
وقد يكون ذلك بين حكمين من الطرفين ، بأن يكون كل منهما مقيدا بقيد يرفعه الاخر ، ويعبر عنه بتوارد الحكمين ، كما لو تعلق النذر ونهي الام بشئ واحد ، فإنه حيث يعتبر في انعقاد النذر رجحان المنذور يكون عموم مرجوحية معصية الام محرزا لارتفاع موضوع وجوب الوفاء بالنذر ، كما أنه حيث يعتبر في مرجوحية معصية الام أن لا يكون متعلق أمرها محرما شرعا يكون عموم وجوب الوفاء بالنذر محرزا لارتفاع موضوع مرجوحية معصية الام .
ولا مجال للترجيح بالأهمية وما يشبهها ، ككون أحد الحكمين الزاميا دون الاخر ، لأنه مختص بتزاحم التكليفين في ظرف إحراز ملاك كل منهما تبعا لتمامية موضوعه ، ويتعذر ذلك في المقام ، لان التوارد بين الحكمين مستلزم لارتفاع موضوعيهما معا في المرتبة اللاحقة لتحقق عنوانيهما ، فلا يحرز ملاكاهما ، ليقع التزاحم بينهما ، وأهمية أحدهما ثبوتا لا تقتضي إحرازه إثباتا مع عدم تحقق موضوعه .
إن قلت : عدم تمامية موضوعيهما في المرتبة اللاحقة لحدوث عنوانيهما ومقتضييهما إنما يمنع من فعليتهما في هذه المرتبة ، أما في المرتبة الثالثة