المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٨٤ - هل يتعين الجمع العرفي مع احتمال النسخ ؟ وبيان خصوصية الظهورات الشرعية في ذلك
العرفي بين الظهورين ، ولا مخالفا لظهوره اللفظي ، ليكون الظهور المذكور طرفا للمعارضة مع الظهورين المفروض تعارضهما في المقام ويقع الكلام في تعيين الأقوى من الظهورات المذكورة - كما يظهر من شيخنا الأعظم قدس سره وغيره في مسألة دوران الامر بين النسخ والتخصيص - بل لا دافع لاحتمال النسخ إلا الأصل ، الذي لا ينهض برفع اليد عن ظهور كل من الكلامين في إرادة مضمونه ، فلا تصل النوبة للجمع العرفي .
لكن البناء فيها على النسخ - مع بعده في نفسه ، لاستلزامه كثرة النسخ ، ومن المعلوم قلته ، خصوصا من الأئمة ( ع ) بناء على ما هو الظاهر من إمكانه منهم [١] - مستلزم لاضطراب نظام الفقه القائم وتأسيس فقه جديد ، إذ كثيرا ما يكون الظهور الأقوى سابقا زمانا على الظهور الأضعف ، فلو بني على النسخ لزم البناء على مقتضى الظهور الأضعف لنسخ الأقوى به ، ولو فرض الجهل بالتاريخ لزم التوقف عنهما معا ، للعلم الاجمالي بنسخ أحدهما بالآخر ، ولا يظهر معهم البناء على ذلك ، بل دأبهم العمل بالأظهر مطلقا وتنزيل الأضعف عليه للجمع العرفي بينهما ، ولا يذكر النسخ إلا في نادر من كلماتهم احتمالا لتوجيه النصوص التي يبنى على إهمالها .
وقد حاول بعض الأعاظم قدس سره توجيه سيرتهم المشار إليها في مسألة دوران الامر بين النسخ والتخصيص بعدم جريان أصالة العموم في نفسها بسبب العثور على الخاص ، لصلوح الخاص لان يكون بيانا للعام وتخصيصا له ، سواء كان متقدما أم متأخرا ، إذ تقديم البيان على وقت الحاجة ليس قبيحا ذاتا ، ويرتفع قبح تأخره عنه بوجود مصلحة مزاحمة للمصلحة الأولية المقتضية لتعجيله .
وفيه : أن المانع من جريان أصالة العموم مطلقا ليس هو مطلق البيان ولو
[١] بمعنى تحققه منه تعالى في عصرهم وانما ينسب لهم بلحاظ علمهم به وتبليغهم بالحكم الناسخ ، كما هو الحال في نسبته للنبي ( ص ) .