إيمان أبي طالب (الحجة على الذاهب إلى كفر أبي طالب) - الموسوي، فخار بن معد - الصفحة ١٥٨ - مع الآية مرة أخرى
أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ يريد إنك لا تحكم و تسمي و تشهد بالإيمان لمن أحببت و لكن الله يحكم له و يسميه إذا كان مستحقا له. فهذان السببان قد وردا في نزول هذه الآية و كلاهما إنما كان بعد موت أبي طالب لأنها إن كانت نزلت يوم حنين فوقعة حنين[١] كانت في شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة على ما بيناه و أبو طالب بلا خلاف مات قبل الهجرة و موته كان السبب في الهجرة لأن الأمة روت أن جبرئيل ع هبط إلى النبي ص ليلة مات أبو طالب فقال له أخرج من[٢] مكة فما بقي لك بها ناصر بعد أبي طالب. و إن كانت نزلت في الذين تأخروا عن النبي ص على ما تقدم القول فيه فهي أيضا نزلت بعد موت أبي طالب ع لأن النبي ص هاجر عن مكة يوم الاثنين في شهر ربيع الآخر على رأس ثلاث سنين من متوفى أبي طالب[٣].
[١] الصحيح أحد كما اسلفنا.
[٢] في ص:« عن».
[٣] روى المفسرون وجوها في نزول هذه الآية:
آ- ان هذه الآية نزلت في حقّ أبي طالب عند وفاته كما اسلفنا، و يذهب الى ذلك قسم من مفسري العامّة.
ب- و يرى ابن كثير في( تفسيره: ٣٩٥/ ٣/ ط دار احياء الكتب مصر) انها نزلت عند ما جاء رسول قيصر بكتاب للرسول٦ فدفعه إليه، فوضع الرسول٦ الكتاب بحجره، ثمّ قال:« ممن الرجل؟» قال: من تنوخ. فقال الرسول« هل لك في دين ابيك إبراهيم الحنفية»؟. قال رسول قيصر: إني رسول قوم و على دينهم، حتى ارجع اليهم. فضحك الرسول٦، و نظر الى-.- أصحابه، و قال:« إِنَّكَ لا تَهْدِي .. الخ» الآية.
ج- و روى عدد من المفسرين: ان الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل ابن عبد مناف، و كانت عند الرسول رغبة في إسلامه و حبّ لذلك« فقال الحارث:
نحن نعلم انك على الحق، و لكنا نخاف ان اتبعناك و خالفنا العرب، و نحن اكلة رأس- يريد إنا قليلو العدد- ان يتخطفونا» راجع:( تفسير المراغي: ٧٤/ ٢٠ و الكشّاف للزمخشري: ١٦٧/ ٢ و ٣٣٣/ ٣ و تفسير ابن كثير: ٣٩٥/ ٣ و تفسير البيضاوي: ٩/ ٤، و أسباب النزول: ١٦٩ عن النسائي، عن ابن عبّاس).
د- السببان اللذان رواهما فخار بن معد في الأصل، في نزول هذه الآية.
و ما دامت الأسباب في نزول هذه الآية خمسة فلما ذا تحرف و تقتصر على أبي طالب دون غيره من الوجوه، كما و ان الإجماع الذي يدعيه بعض المفسرين ناشئ من ادعاء الزجاج به. و المفسر الآلوسي هو الذي ناقش هذا الإجماع و يرى ان مدعيه عند ما يقول هذا القول لا يرى قيمة لقول الشيعة، فان إجماعهم على عكس ما يدعيه الزجاج. نعم الا أن يكون في عرف الزجاج و امثاله( ان) اقوال آل البيت و شيعتهم. ليست من اقوال المسلمين، و بهذا يتم له المراد. و القرطبيّ التفت الى ذلك فحاول ان يوجه كلام الزجاج بما يتلائم و رغبته فقال:« و الصواب ان يقال: اجمع جل المفسرين على انها نزلت في شأن أبي طالب»( تفسير القرطبيّ:- ٢٩٩/ ١٣). محاولة منه لتخفيف الادعاء.- و مرة نرى« ان ابا سعيد بن رافع قال: سألت ابن عمر عن هذه الآية:
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أ في ابي جهل و أبي طالب؟ قال: نعم»( اسباب النزول للسيوطي: ١٦٨ و ١٦٩). و الذي اعتقده ان ابن عمر لا يجمع بين عدو اللّه و رسوله ابي جهل، و بين من نصر اللّه و رسوله، و دافع حتّى آخر لحظة من حياته عن الإسلام في صعيد واحد، و هو يعلم جيدا مدى الفرق بينهما.
و إذا ما رجعنا الى موقف معاوية و انه استأجر النفوس الحاقدة على علي ٧ و شيعته و طلب منهم ان يحرفوا ضد علي بعض الآيات. فوجهوا هذه الآية على لسان ابن عبّاس، و ابن عمر، و مجاهد، و قتادة، و ارسلوها كما تشاء ارادة معاوية و اغراضه و كما زوروا و حرفوا غيرها من الآيات.
و يكفي ان نلاحظ ان هناك من روى ان هذه الآية في أبي طالب، و كان النبيّ ٦ يحب إسلامه و لم يسلم، و كان يكره إسلام وحشي قاتل حمزة فقبل إسلامه، و نزلت فيه الآية:
« يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ»( الزمر: ٥٣) تقول الرواية:« فلم يسلم أبو طالب، و اسلم وحشي» و الغريب ان يسند هذا الحديث الى ابن عبّاس. راجع( مجمع البيان: ٢٥٩- ٢٦٠/ ٧).
و كدليل آخر: تحدّثنا المصادر ان معاوية بذل الى سمرة بن جندب« مائة الف درهم حتّى يروي آية أنزلت في عليّ ٧ و هي« وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ، وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ»( البقرة:
٢٠٤ و ٢٠٥) و يروي الآية الأخرى انها نزلت في ابن ملجم و هى« وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ»( البقرة: ٢٠٧) يقول ابن أبي الحديد في( شرح النهج: ٣٦١/ ١) فلم يقبل( سمرة بهذا المقدار) فبذل له مائتي الف درهم فلم يقبل فبذل له اربعمائة الف فقبل و روى ذلك». و هكذا تمت الصفقة بين البائع و المشتري بهذا القدر الوافر من المال و من بيت مال المسلمين!!.-.- و لما ذا لا نحمل بعض المأجورين من امثال سمرة بن جندب، الذين جندوا انفسهم للنيل من عليّ ٧ و آله و شيعته ان حرفوا هذه الآية و غيرها و خصوها بابي طالب. و سمرة هو يعترف بجرائمه و يقول:« و اللّه لو اطعت اللّه، كما اطعت معاوية ما عذبني ابدا» راجع( احداث سنة ٥٠ في تاريخ الطبريّ، و الكامل لابن الأثير).
و قال ابن أبي الحديد في( شرح النهج: ٣٥٨/ ١):« ان معاوية وضع قوما من الصحابة و قوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّ ٧ تقتضي الطعن فيه و البراءة منه، و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة، و عمرو بن العاص، و المغيرة بن شعبة، و من التابعين عروة بن الزبير».
و روى في موضع آخر منهم« سمرة بن جندب، و حريز بن عثمان، و عمران ابن الحصين، و كعب الاحبار، و عبد اللّه بن الزبير، و غيرهم» راجع( شرح النهج:
٣٦٠- ٣٦٣/ ١).
أبعد هذا كله- يا قارئي الكريم- تأمل ان نصدق بأقوال مرتزقة معاوية و أحاديثهم، و خاصّة فيما يرد منهم في حقّ آل البيت؟ ...