فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٨١ - الفصل الأول في مفهوم الشرط
ما هو الواقع بمقتضى تبعيّة عالم الإثبات لعالم الثبوت، فانّه لو كان الجزاء علة للشرط، أو كانا معا معلولين لعلّة ثالثة، لكان الكلام مسوقا لبيان البرهان الإني، و يتوقف ذلك على كون المتكلّم في مقام الاستدلال على انتفاء الشرط عند انتفاء الجزاء، حسب ما يقتضيه الاستدلال الإني، و هذا يحتاج إلى مئونة خارجيّة، و إلّا فانّ طبع الكلام يقتضى كون المقدّم هو المقدّم و التالي هو التالي في الواقع و عالم الثبوت، فيكون الكلام قد سيق على طبق الواقع.
و الإنصاف: انّ دعوى الظهور السياقي للقضيّة الشرطيّة في كون الشرط علّة للجزاء قريبة جدّاً لا مجال لإنكارها، و لكن هذا بنفسه لا يكفى في ثبوت المفهوم للقضية ما لم يكن الشرط علّة منحصرة، و إثبات الانحصار لا يمكن إلّا بدعوى إطلاق الشرط و إجراء مقدّمات الحكمة لإثبات انحصاره، بتقريب: انّه لو لم يكن الشرط وحده علّة منحصرة لكان على المولى الحكيم، الّذي فرض انّه في مقام البيان، ان يقيد إطلاق الشرط بكلمة الواو، أو بكلمة أو، ليبيّن بذلك انّ الشرط ليس بعلّة وحده، بل يشاركه في عليّته شيء آخر و لو عند الاجتماع، أو انّ الشيء الفلاني أيضا علّة، و حيث لم يبين ذلك يستفاد منه انّ الشرط وحده علّة، سواء سبقه شيء آخر أو لم يسبقه، قارنه شيء أو لم يقارنه، و هو معنى كون الشرط علّة منحصرة، هذا.
و لكن الإنصاف: انّ هذا التقريب لا يستقيم، لأنه أولا: انّ مقدمات الحكمة انّما تجري في المجعولات الشرعيّة، و مسألة العليّة و السببيّة غير مجعولة، على ما تقدّم منّا مرارا، و انّما المجعول هو المسبّب على تقدير وجود سببه، فلا معنى للتّمسك بإطلاق الشرط على كونه علّة منحصرة.
و ثانيا: انّ القضية الشرطية لا دلالة لها على استناد الجزاء إلى الشرط، و كون وجوده معلولا لوجوده، بل غاية ما تدلّ عليه القضية الشرطيّة، هو الترتّب بين الجزاء و الشرط و وجود الجزاء عند وجود الشرط. و هذا المعنى لا يتفاوت الحال فيه، بين كون الشرط علّة منحصرة، أو غير منحصرة، فانّ الجزاء يكون مترتّبا على الشرط على نسق واحد، سواء كان هناك شرط آخر، أو لم يكن. بل لو فرض دلالة القضيّة الشرطيّة على استناد الجزاء إلى الشرط و كونه معلولا له لم يكن أيضا موقع للتمسك