المستند في شرح العروة الوثقى -ط موسسة احياء آثار - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ مرتضى البروجردي - الصفحة ٢٠٣ - التنبیه الثالث التقلید فی موارد استناد المجتهد إلی الأمارات
التنبیه الثالث [التقلید فی موارد استناد المجتهد إلی الأمارات]
______________________________
لا شبهة فی جواز الرجوع إلی المجتهد فیما إذا علم بالأحکام الشرعیة علماً وجدانیاً، لأنه یصدق علیه الفقیه لعلمه بالأحکام الشرعیة حقیقة و الرجوع إلیه من رجوع الجاهل إلی العالم و الفقیه، و کذلک الحال فیما إذا لم یکن عالماً بها بالوجدان إلّا أنه استنبطها من الأمارات المعتبرة شرعاً، فإنه أیضاً لا إشکال فی الرجوع إلیه بناءً علی ما هو الصحیح من أن اعتبار الحجج و الأمارات من باب الطریقیة و الکاشفیة و جعل ما لیس بعلم علماً، بلا فرق فی ذلک بین الحجج التأسیسیة و الإمضائیة و إن لم نعثر إلی الآن علی ما یکون حجة تأسیسیة لأنها إمضائیة بأجمعها و الشارع یتصرف فیها بإضافة قید أو حذفه، فإن المجتهد وقتئذٍ عالم بالأحکام الشرعیة کما أنه فقیه و إن کان علمه بها علماً تعبدیاً لا وجدانیاً، و لا فرق بین العلم الوجدانی و التعبدی بعد شمول الأدلة القائمة علی جواز التقلید لمن استنبط الأحکام من الأمارات الشرعیة لصدق أنه فقیه و عالم بالأحکام تعبداً.
و أما بناءً علی ما نسب إلی المشهور من الالتزام بجعل الحکم المماثل علی طبق مؤدی الأمارات، فأیضاً لا کلام فی جواز الرجوع إلیه، لأن المجتهد علی هذا المسلک عالم بالأحکام الظاهریة و إن لم یکن عالماً بالحکم الواقعی، و من هنا قالوا إن ظنیة الطریق لا تنافی قطعیة الحکم، و بهذا دفعوا المناقشة المعروفة فی أخذ العلم بالأحکام الشرعیة فی تعریف الفقه، بأن الأحکام الشرعیة بأکثرها ظنیة. نعم، ذکرنا فی محلّه أن جعل الحکم المماثل فی موارد الطرق و الأمارات مما لا أساس له، لما أشرنا إلیه من أن الحجیة إمضائیة و لا یعتبر العقلاء جعل الحکم المماثل فی شیء من الحجج، و إنما یعاملون معها معاملة العلم فحسب.
ثمّ لو تنزلنا عن ذلک و سلمنا أن الحجیة فی السند بمعنی جعل الحکم المماثل فلا مجال للالتزام به فی حجیة الدلالة، لأنها تستند إلی حجیة الظهور و لا شبهة فی أنها عقلائیة، و قد عرفت أن العقلاء لا یعتبرون فی الحجیة جعل المماثل بوجه و الاستنباط و إن کان یتوقف علی کل من حجیة السند و الدلالة، إلّا أن الحجیة فی الدلالة لیست بمعنی جعل المماثل قطعاً، فالقول بذلک لا یبتنی علی دلیل، إلّا أنّا لو قلنا بذلک جاز تقلید المجتهد لصدق أنه فقیه و عالم بالأحکام کما عرفت، و لعلّ هذا مما لا إشکال فیه.