مع المصطفي (ص) - عایشه بنت الشاطی - الصفحة ٥٤ -           مع المصطفى في ليلة القدر
النور ملء قلبه وبصيرته ، والكلمات ملء فكره ومسمعه .
ولكنه في حيرة من أمره ، يعييه أن يستوعب السر الاعظم الذي تجلى له ، ويأخذه من جلاله ما يشبه الدوار ، فيكاد لفرط دهشته وعجبه وانبهاره ، لا يدري ما إذا كان في وعي يقظته أم تلك رؤيا بصيرة أرهفها طول التأمل في آيات القدرة ، وطول التطلع إلى اجتلاء سر هذا الكون وخالقه ؟ وأحس وطأة العبء الثقيل تجهده وترهقه ، فما بلغ بيته حتى بدا مكدودا مرتعدا شاحبا ، كأنه عائد من سفر شاق طويل .
ولمحها هناك في انتظاره : ( خديجة ) التي كانت له على مدى خمس عشرة سنة زوجا وأما ، وكانت له منذ تزوجها ملاذا وسكنا .
ودون تفكير أو تردد ألفى نفسه يفضي إليها بما رأى وما سمع ، وهو يحدق في ملامحها إذ تصغي إليه بسمعها وقلبها ، محاولا أن يستبين وقع هذا الامر على أقرب أهله إليه ، وأعزهم عليه ، وأصفاهم له ودا وأرشدهم نصحا ورأيا .
وقالتها على الفور ، بكل اليقين والثقة : ( الله يرعانا يا أبا القاسم .
أبشر يا ابن عم واثبت ، فوالذي نفس خديجة بيده إني لارجو أن تكون نبي هذه الامة .
والله لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ) .
فنفذ صوتها الحار الواثق إلى قلبه ، وأحس راحة الامن والطمأنينة ،