إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٦ - (و أما الآثار)
و روى أن بعض الصالحين دفع طعاما إلى بعض الأبدال فلم يأكل،فسأله عن لك، فقال نحن لا نأكل إلا حلالا،فلذلك تستقيم قلوبنا،و يدوم حالنا،و نكاشف الملكوت و نشاهد الآخرة.و لو أكلنا مما تأكلون ثلاثة أيام،لما رجعنا إلى شيء من علم اليقين و لذهب الخوف و المشاهدة من قلوبنا.فقال له الرجل،فإنى أصوم الدهر و أختم القرءان في كل شهر ثلاثين مرة.فقال له البدل،هذه الشربة التي رأيتني شربتها من الليل،أحب إلىّ من ثلاثين ختمة في ثلاثمائة ركعة من أعمالك.و كانت شربته من لبن ظبية وحشية .و قد كان بين أحمد بن حنبل و يحيى بن معين صحبة طويلة،فهجره أحمد إذ سمعه يقول:انى لا أسأل أحدا شيئا و لو أعطاني الشيطان شيئا لأكلته،حتى اعتذر يحيى و قال،كنت أمزح.فقال تمزح بالدين!أما علمت أن الأكل من الدين؟قدمه اللّه تعالى على العمل الصالح،فقال كُلُوا مِنَ الطَّيِّبٰاتِ وَ اعْمَلُوا صٰالِحاً [١]و في الخبر أنه مكتوب في التوراة،من لم يبال من أين مطعمه،لم يبال اللّه من أي أبواب النيران أدخله .و عن علىّ رضي اللّه عنه،أنه لم يأكل بعد قتل عثمان و نهب الدار طعاما إلا مختوما،حذرا من الشبهة .و اجتمع الفضيل بن عياض،و ابن عيينة،و ابن المبارك،عند وهيب بن الورد بمكة.فذكروا الرطب.فقال وهيب،هو من أحب الطعام إلىّ،إلا أنى لا آكله لاختلاط رطب مكة ببساتين زبيدة و غيرها.فقال له ابن المبارك،ان نظرت في مثل هذا ضاق عليك الخبز.قال و ما سببه؟قال إن أصول الضياع قد اختلطت بالصوافى .فغشى على وهيب فقال سفيان قتلت الرجل.فقال ابن المبارك،ما أردت إلا أن أهون عليه.فلما أفاق قال للّٰه علىّ أن لا آكل خبزا أبدا حتى ألقاه.قال فكان يشرب اللبن.قال فأتته أمنه بلبن فسألها،فقالت هو من شاة بني فلان.فسأل عن ثمنها و أنه من أين كان لهم،فذكرت فلما أدناه من فيه قال،بقي أنها من أين كانت ترعى،فسكتت.فلم يشرب،لأنها كانت ترعى من موضع فيه حق للمسلمين.فقالت أمه اشرب،فان اللّه يغفر لك.فقال ما أحب أن يغفر لي و قد شربته،فأنال مغفرته بمعصيته .و كان بشر الحافى رحمه اللّه من الورعين، فقيل له من أين تأكل؟فقال من حيث تأكلون،و لكن ليس من يأكل و هو يبكى
[١] المؤمنون:٥١