إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٦ - الحالة الثالثة أن تكون الحالة معلومة بنوع خبرة و ممارسة
فأما إذا رآه قد شتم غيره في غضبه،أو أتبع نظره امرأة مرت به،فهذه الدلالة ضعيفة.
فكم من إنسان يتحرج في طلب المال،و لا يكتسب إلا الحلال،و مع ذلك فلا يملك نفسه عند هيجان الغضب و الشهوة .فليتنبه لهذا التفاوت.و لا يمكن أن يضبط هذا بحد فليستفت العبد في مثل ذلك قلبه و أقول:إن هذا إن رآه من مجهول فله حكم.و إن رآه ممن عرفه بالورع في الطهارة و الصلاة و قراءة القرءان،فله حكم آخر إذا تعارضت الدلالتان بالإضافة إلى المال و تساقطتا و عاد الرجل كالمجهول.إذ ليست إحدى الدلالتين تناسب المال على الخصوص.فكم من متحرج في المال لا يتحرج في غيره،و كم من محسن للصلاة و الوضوء و القراءة و يأكل من حيث يجد فالحكم في هذه المواقع ما يميل إليه القلب،فإن هذا أمر بين العبد و بين اللّه فلا يبعد أن يناط بسبب خفىّ لا يطلع عليه إلا هو و رب الأرباب،و هو حكم حزازة القلب ثم ليتنبه لدقيقة أخرى،و هو أن هذه الدلالة ينبغي أن تكون بحيث تدل على أن أكثر ماله حرام،بأن يكون جنديا أو عامل سلطان أو نائحة أو مغنية.فإن دل على أن في ماله حراما قليلا لم يكن السؤال واجبا،بل كان السؤال من الورع
الحالة الثالثة: أن تكون الحالة معلومة بنوع خبرة و ممارسة
،بحيث يوجب ذلك ظنا في حل المال أو تحريمه.مثل أن يعرف صلاح الرجل و ديانته و عدالته في الظاهر،و جوز أن يكون الباطن بخلافه.فهنا لا يجب السؤال،و لا يجوز كما في المجهول.فالأولى الإقدام و الإقدام هاهنا أبعد عن الشبهة من الإقدام على طعام المجهول.فإن ذلك بعيد عن الورع و إن لم يكن حراما.و أما أكل طعام أهل الصلاح فدأب الأنبياء و الأولياء.قال صلّى اللّه عليه و سلم [١]«لا تأكل إلاّ طعام تقيّ و لا يأكل طعامك إلاّ تقيّ »فأما إذا علم بالخبرة أنه جندي أو مغن أو مرب،و استغنى عن الاستدلال عليه بالهيئة و الشكل و الثياب،فهنا السؤال واجب لا محالة كما في موضع الريبة،بل أولى