إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧١ - الباب الثالث
و سنشير إلى مقتضى لفظ الصوفية على الخصوص،ليعلم به طريق التصرف في الألفاظ و إلا فلا مطمع في استيفائها.فهذه اشتباهات تثور من علامات متعارضة،تجذب إلى طرفين متقابلين:و كل ذلك من الشبهات يجب اجتنابها،إذا لم يترجح جانب الحل،بدلالة تغلب على الظن أو باستصحاب،بموجب قوله صلّى اللّه عليه و سلم«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»و بموجب سائر الأدلة التي سبق ذكرها.
فهذه مثارات الشبهات:و بعضها أشد من بعض.و لو تظاهرت شبهات شتى على شيء واحد كان الأمر أغلظ.مثل أن يأخذ طعاما مختلفا فيه،عوضا عن عنب باعه من خمار بعد النداء يوم الجمعة،و البائع قد خالط ماله حرام،و ليس هو أكثر ماله،و لكنه صار مشتبها به.فقد يؤدى ترادف الشبهات إلى أن يشتد الأمر في اقتحامها فهذه مراتب عرفنا طريق الوقوف عليها،و ليس في قوة البشر حصرها.فما اتضح من هذا الشرح أخذ به،و ما التبس فليجتنب.فإن الإثم حزاز القلب.و حيث قضينا باستفتاء القلب أردنا به حيث أباح المفتي،أما حيث حرمه فيجب الامتناع.ثم لا يعول على كل قلب،فرب موسوس ينفر عن كل شيء،و رب شره متساهل يطمئن إلى كل شيء .و لا اعتبار بهذين القلبين.و إنما الاعتبار بقلب العالم الموفق،المراقب لدقائق الأحوال.و هو المحك الذي يمتحن به خفايا الأمور.و ما أعز هذا القلب في القلوب.فمن لم يثق بقلب نفسه فليلتمس النور من قلب بهذه الصفة،و ليعرض عليه واقعته ،و جاء في الزبور،أن اللّه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام،قل لبني إسرائيل إنى لا أنظر إلى صلاتكم و لا صيامكم،و لكن أنظر إلى من شك في شيء فتركه لأجلي،فذاك الذي أنظر إليه،و أؤيده بنصري،و أباهي به ملائكتي .
الباب الثالث
(في البحث و السؤال و الهجوم و الإهمال و مظانهما )
اعلم أن كل من قدم إليك طعاما أو هدية،أو أردت أن تشترى منه أو تتهب،فليس لك أن تفتش عنه و تسأل،و تقول هذا مما لا أتحقق حله فلا آخذه بل أفتش عنه.و ليس