إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٠ - القسم الثالث تعارض الأشباه في الصفات
له فيه،إذ يكون المتصف بصفة في درجة متوسطة بين الدرجتين المتقابلتين لا يظهر له ميله إلى أحدهما.و كذلك الصدقات المصروفة إلى المحتاجين،فإن من لا شيء له معلوم أنه محتاج،و من له مال كثير معلوم أنه غنى.و يتصدى بينهما مسائل غامضة،كمن له دار و أثاث و ثياب و كتب،فإن قدر الحاجة منه لا يمنع من الصرف إليه ،و الفاضل يمنع.
و الحاجة ليست محدودة،و إنما تدرك بالتقريب.و يتعدى منه النظر في مقدار سعة الدار و أبنيتها ،و مقدار قيمتها،لكونها في وسط البلد،و وقوع الاكتفاء بدار دونها،و كذلك في نوع أثاث البيت،إذا كان من الصقر لا من الخزف،و كذلك في عددها،و كذلك في قيمتها،و كذلك فيما يحتاج إليه كل يوم،و ما يحتاج إليه كل سنة من آلات الشتاء ،و ما لا يحتاج إليه إلا في سنين.و شيء من ذلك لا حد له،و الوجه في هذا ما قاله عليه السلام[١] «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»و كل ذلك في محل الريب و إن توقف المفتي فلا وجه إلا التوقف.و إن أفتى المفتي بظن و تخمين فالورع التوقف.و هو أهم مواقع الورع.و كذلك ما يجب بقدر الكفاية من نفقة الأقارب و كسوة الزوجات،و كفاية الفقهاء و العلماء على بيت المال،إذ فيه طرفان،يعلم أن أحدهما قاصر،و أن الآخر زائد،و بينهما أمور متشابهة تختلف باختلاف الشخص و الحال.و المطلع على الحاجات هو اللّه تعالى،و ليس للبشر وقوف على حدودها.فما دون الرطل المكي في اليوم قاصرا عن كفاية الرجل الضخم ،و ما فوق ثلاثة أرطال زائد على الكفاية،و ما بينهما لا يتحقق له حد فليدع الورع ما يريبه إلى ما لا يريبه و هذا جار في كل حكم نيط بسبب،يعرف ذلك السبب بلفظ العرب،إذ العرب و سائر أهل اللغات لم يقدروا متضمنات اللغات بحدود محدودة،تنقطع أطرافها عن مقابلاتها كلفظ الستة،فإنه لا يحتمل ما دونها و ما فوقها من الأعداد ،و سائر ألفاظ الحساب و التقديرات.فليست الألفاظ اللغوية كذلك،فلا لفظ في كتاب اللّه و سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم،إلا و يتطرق الشك إلى أوساط في مقتضياتها،تدور بين أطراف متقابلة.فتعظم الحاجة إلى هذا الفن في الوصايا و الأوقاف فالوقف على الصوفية مثلا مما يصح.و من الداخل تحت موجب هذا الفظ؟هذا من الغوامض.فكذلك سائر الألفاظ