إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٧ - الرتبة الأولى ما يتأكد الاستحباب في التورع عنه
الذي يظن أنه أفضل علماء بلده،و يعرف ذلك بالتسامع ،كما يعرف أفضل أطباء البلد بالتسامع و القرائن،و إن كان لا يحسن الطب.و ليس للمستفتى أن ينقد من المذاهب أوسعها عليه،بل عليه أن يبحث حتى يغلب على ظنه الأفضل.ثم يتبعه فلا يخالفه أصلا.
نعم:إن أفتى له إمامه بشيء و لإمامه فيه مخالف،فالفرار من الخلاف إلى الإجماع من الورع المؤكد.و كذا المجتهد إذا تعارضت عنده الأدلة،و رجح جانب الحل بحدس و تخمين و ظن فالورع له الاجتناب فلقد كان المفتون يفتون بحل أشياء لا يقدمون عليها قط،تورعا منها و حذرا من الشبهة فيها .
فلنقسم هذا أيضا على ثلاث مراتب
الرتبة الأولى:ما يتأكد الاستحباب في التورع عنه
،و هو ما يقوى فيه دليل المخالف و يدق وجه ترجيح المذهب الآخر عليه .فمن المهمات التورع عن فريسة الكلب المعلم إذا أكل منها و إن أفتى المفتي بأنه حلال.لأن الترجيح فيه غامض.و قد اخترنا أن ذلك حرام و هو أقيس قولي الشافعي رحمه اللّه.و مهما وجد للشافعي قول جديد موافق لمذهب أبي حنيفة رحمه اللّه،أو غيره من الأئمة كان الورع فيه مهما،و إن أفتى المفتي بالقول الآخر و من ذلك الورع عن متروك التسمية،و إن لم يختلف فيه قول الشافعي رحمه اللّه،لأن الآية ظاهرة في إيجابها،و الأخبار متواترة فيه.فإنه صلّى اللّه عليه و سلم قال لكل من سأله عن الصيد[١]«إذا أرسلت كلبك المعلّم و ذكرت عليه اسم اللّه فكل»و نقل ذلك على التكرر.و قد شهر الذبح[٢]بالبسملة .و كل ذلك يقوى دليل الاشتراط.و لكن لما صح قوله صلّى اللّه عليه و سلم[٣]«المؤمن يذبح على اسم اللّه تعالى سمّى أو لم يسمّ»