إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٢ - الرتبة الثالثة و هي قريب من الوسواس و المبالغة
الرتبة الوسطى:ما نقل عن بشر بن الحارث
،من امتناعه عن الماء المساق في نهر احتفره الظلمة،لأن النهر موصل إليه،و قد عصى اللّه بحفره .و امتنع آخر عن عنب كرم يسقى بماء يجرى في نهر حفر ظلما،و هو أرفع منه و أبلغ في الورع.و امتنع آخر من الشرب من مصانع السلاطين في الطرق.و أعلى من ذلك امتناع ذي النون من طعام حلال أوصل إليه على يد سجان،و قوله أنه جاءني على يد ظالم.و درجات هذه الرتب لا تنحصر
الرتبة الثالثة:و هي قريب من الوسواس و المبالغة
،أن يمتنع من حلال وصل على يد رجل عصى اللّه بالزنا أو القذف،و ليس هو كما لو عصى بأكل الحرام،فان الموصل قوته الحاصلة من الغذاء الحرام،و الزنا و القذف لا يوجب قوة يستعان بها على الحمل.بل الامتناع من أخذ حلال وصل على يد كافر وسواس،بخلاف أكل الحرام.إذ الكفر لا يتعلق بحمل الطعام.و ينجر هذا إلى أن لا يؤخذ من يد من عصى اللّه و لو بغيبة أو كذبة،و هو غاية التنطع و الإسراف فليضبط ما عرف من ورع ذي النون و بشر،بالمعصية في السبب الموصل،كالنهر و قوة اليد المستفادة بالغذاء الحرام.و لو امتنع عن الشرب بالكوز،لأن صانع الفخار الذي عمل الكوز كان قد عصى اللّه يوما بضرب إنسان أو شتمه،لكان هذا وسواسا.و لو امتنع من لحم شاة ساقها آكل حرام،فهذا أبعد من يد السجان،لأن الطعام يسوقه قوة السجان،و الشاة تمشي بنفسها،و السائق يمنعها عن العدول في الطريق فقط.
فهذا قريب من الوسواس.فانظر كيف تدرجنا في بيان ما تتداعى إليه هذه الأمور و اعلم أن كل هذا خارج عن فتوى علماء الظاهر.فإن فتوى الفقيه تختص بالدرجة الأولى التي يمكن تكليف عامة الخلق بها،و لو اجتمعوا عليه لم يخرب العالم،دون ما عداه من ورع المتقين و الصالحين .و الفتوى في هذا ما قاله صلّى اللّه عليه و سلم لوابصة،إذ قال «استفت قلبك و إن أفتوك و أفتوك و أفتوك»و عرف إذ قال[١]«الإثم حزّاز القلوب» و كل ما حاك في صدر المريد من هذه الأسباب،فلو أقدم عليه مع حزازة القلب استضربه و أظلم قلبه بقدر الحزازة التي يجدها.بل لو أقدم على حرام في علم اللّه،و هو يظن أنه حلال، لم يؤثر ذلك في قساوة قلبه و لو أقدم على ما هو حلال في فتوى علماء الظاهر،و لكنه بحمد حزازة في قلبه،فذلك يضره