إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٠ - و أما مثال اللواحق
الوهم في تقدير المناهي أو المفسدات،لا ينقطع عن يوم السبت و سائر الأيام.و الورع حسن و المبالغة فيه أحسن،و لكن إلى حد معلوم.فقد قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«هلك المتنطّعون » فليحذر من أمثال هذه المبالغات،فإنها و إن كانت لا تضر صاحبها،ربما أوهم عند الغير أن مثل ذلك مهم،ثم يعجز عما هو أيسر منه،فيترك أصل الورع،و هو مستند أكثر الناس في زماننا هذا،إذ ضيق عليهم الطريق،فأيسوا عن القيام به،فأطرحوه فكما أن الموسوس في الطهارة قد يعجز عن الطهارة فيتركها،فكذا بعض الموسوسين في الحلال،سبق إلى أوهامهم أن مال الدنيا كله حرام،فتوسعوا،فتركوا التمييز و هو عين الضلال
و أما مثال اللواحق:
فهو كل تصرف يفضي في سياقه إلى معصية.و أعلاه بيع العنب من الخمار،و بيع الغلام من المعروف بالفجور بالغلمان،و بيع السيف من قطاع الطريق و قد اختلف العلماء في صحة ذلك،و في حل الثمن المأخوذ منه و الأقيس أن ذلك صحيح.و المأخوذ حلال.و الرجل عاص بعقده،كما يعصى بالذبح بالسكين المغصوب،و الذبيحة حلال و لكنه يعصى عصيان الإعانة على المعصية إذ لا يتعلق ذلك بعين العقد.فالمأخوذ من هذا مكروه كراهية شديدة،و تركه من الورع المهم،و ليس بحرام.و يليه في الرتبة بيع العنب ممن يشرب الخمر و لم يكن خمارا و بيع السيف ممن يغزو و يظلم أيضا.لأن الاحتمال قد تعارض.و قد كره السلف بيع السيف في وقت الفتنة،خيفة أن يشتريه ظالم.فهذا ورع فوق الأول،و الكراهية فيه أخف.و يليه ما هو مبالغة،و يكاد يلتحق بالوسواس،و هو قول جماعة أنه لا تجوز معاملة الفلاحين بآلات الحرث،لأنهم يستعينون بها على الحراثة،و يبيعون الطعام من الظلمة،و لا يباع منهم البقر و الفدان و آلات الحرث،و هذا ورع الوسوسة،إذ ينجر إلى أن لا يباع من الفلاح طعام،لأنه يتقوى به على الحراثة.و لا يسقى من الماء العام لذلك.و ينتهى هذا إلى حد التنطع المنهي عنه و كل متوجه إلى شيء على قصد خير لا بد و أن يسرف،إن لم يذمه العلم المحقق.و ربما يقدم على ما يكون بدعة في الدين،ليستضر الناس بعده بها،و هو يظن أنه مشغول بالخير.و لهذا قال صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي »و المتنطعون