إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥١ - فأما الظن الغالب
في الطين من غير حاجة،و كانوا لا يمشون في البول و العذرة،و لا يجلسون عليهما،و يستنزهون منه.و متى تسلم الشوارع عن النجاسات مع كثرة الكلاب و أبوالها،و كثرة الدواب و أرواثها و لا ينبغي أن نظن أن الأعصار او الأمصار تختلف في مثل هذا،حتى يظن أن الشوارع كانت تغسل في عصرهم،أو كانت تحرس من الدواب.هيهات فذلك معلوم استحالته بالعادة قطعا.فدل على أنهم لم يحترزوا إلا من نجاسة مشاهدة،أو علامة على النجاسة دالة على العين
فأما الظن الغالب
الذي يستثار من رد الدراهم إلى مجاري الأحوال فلم يعتبروه.و هذا عند الشافعي رحمه اللّه.و هو يرى أن الماء القليل ينجس من غير تغير واقع .إذ لم يزل الصحابة يدخلون الحمامات،و يتوضأون من الحياض،و فيها المياه القليلة،و الأيدي المختلفة تغمس فيها على الدوام.و هذا قاطع في هذا الغرض.و مهما ثبت جواز التوضؤ من جرة نصرانية،ثبت جواز شربه.و التحق حكم الحل بحكم النجاسة فإن قيل:لا يجوز قياس الحل على النجاسة،إذ كانوا يتوسّعون في أمور الطهارات و يحترزون من شبهات الحرام غاية التحرز،فكيف يقاس عليها؟ قلنا.إن أريد به أنهم صلوا مع النجاسة،و الصلاة معها معصية،و هي عماد الدين ،فبئس الظن.
بل يجب أن نعتقد فيهم أنهم احترزوا عن كل نجاسة وجب اجتنابها.و إنما تسامحوا حيث لم يجب.
و كان في محل تسامحهم هذه الصورة التي تعارض فيها الأصل و الغالب.فبان أن الغالب الذي لا يستند إلى علامة تتعلق بعين ما فيه النظر مطرح .و أما تورعهم في الحلال فكان بطريق التقوى،و هو ترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس،لأن أمر الأموال مخوّف،و النفس تميل إليها ان لم تضبط عنها.و أمر الطهارة ليس كذلك فقد امتنع طائفة منهم عن الحلال المحض خيفة أن يشغل قلبه.و قد حكى عن واحد منهم أنه احترز من الوضوء بماء البحر،و هو الطهور المحض.فالافتراق في ذلك لا يقدح في الغرض الذي أجمعنا فيه.على أنا نجري في هذا المستند على الجواب الذي قدمناه في المستندين السابقين.و لا نسلم ما ذكروه من أن الأكثر هو الحرام.لأن المال و إن كثرت أصوله،فليس بواجب أن يكون في أصوله حرام.بل الأموال الموجودة اليوم مما تطرق الظلم إلى أصول بعضها دون بعض.و كما أن