إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٧ - و أما القياس
إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنه من الحرام.فإن لم يكن في العين علامة تدل على أنه من الحرام،فتركه ورع،و أخذه حلال لا يفسق به آكله.و من العلامات أن يأخذه من يد سلطان ظالم،إلى غير ذلك من العلامات التي سيأتي ذكرها،و يدل عليه الأثر و القياس.
فأما الأثر
فما علم في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و الخلفاء الراشدين بعده إذ كانت أثمان الخمور و دراهم الربا من أيدي أهل الذمة مختلطة بالأموال.و كذا غلول الأموال.و كذا غلول الغنيمة .و من الوقت الذي نهي صلّى اللّه عليه و سلم عن الربا إذ قال[١]«أوّل ربا أضعه ربا العبّاس»ما ترك الناس الربا بأجمعهم،كما لم يتركوا شرب الخمور و سائر المعاصي.حتى روى أن بعض أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و سلم باع الخمر،فقال عمر رضى اللّه عنه:لعن اللّه فلانا هو أول من سن بيع الخمر.إذ لم يكن قد فهم أن تحريم الخمر تحريم لثمنها.و قال صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«إنّ فلانا يجرّ في النّار عباءة قد غلّها»[٣]و قتل رجل ففتشوا متاعه فوجدوا فيه خرزات من خرز اليهود،لا تساوى درهمين،قد غلها .و كذلك أدرك أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الأمراء الظلمة،و لم يمتنع أحد منهم عن الشراء و البيع في السوق بسبب نهب المدينة،و قد نهبها أصحاب يزيد ثلاثة أيام.و كان من يمتنع من تلك الأموال مشار إليه في الورع.و الأكثرون لم يمتنعوا،مع الاختلاط و كثرة الأموال المنهوبة في أيام الظلمة.و من أوجب ما لم يوجبه السلف الصالح،و زعم أنه تفطن من الشرع ما لم يتفطنوا له،فهو موسوس مختل العقل.و لو جاز أن يزاد عليهم في أمثال هذا،لجاز مخالفتهم في مسائل لا مستند فيها سوى اتفاقهم،كقولهم إن الجدة كالأم في التحريم،و ابن الابن كالابن،و شعر الخنزير و شحمه كاللحم المذكور تحريمه في القرءان،و الربا جار فيما عدا الأشياء الستة.و ذلك محال،فإنهم أولى بفهم الشرع من غيرهم
و أما القياس:
فهو أنه لو فتح هذا الباب لانسد باب جميع التصرفات ،و خرب العالم.