إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٣ - أما الدرجة الثالثة
كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام .و قيل إن هذا عن ابن عباس رضى اللّه عنهما.و قال أبو الدرداء،إن من تمام التقوى أن يتقى العبد في مثقال ذرة،حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما،حتى يكون حجابا بينه و بين النار.و لهذا كان لبعضهم مائة درهم على إنسان،فحملها إليه،فأخذ تسعة و تسعين،و تورع عن استيفاء الكل خيفة الزيادة.و كان بعضهم يتحرز،فكل ما يستوفيه يأخذه بنقصان حبة،و ما يعطيه يوفيه بزيادة حبة،ليكون ذلك حاجزا من النار و من هذه الدرجة الاحتراز عما يتسامح به الناس،فإن ذلك حلال في الفتوى،و لكن يخاف من فتح بابه أن ينجر إلى غيره،و تألف النفس الاسترسال و تترك الورع.فمن ذلك ما روى عن على بن معبد أنه قال:كنت ساكنا في بيت بكراء.فكتبت كتابا،و أردت أن آخذ من تراب الحائط لأتربه و أجففه.ثم قلت الحائط ليس لي.فقالت لي نفسي،و ما قدر تراب من حائط؟فأخذت من التراب حاجتي.فلما نمت،فإذا أنا بشخص واقف يقول، يا على بن معبد،سيعلم غدا الذي يقول و ما قدر تراب من حائط.و لعل معنى ذلك أنه يرى كيف يحط من منزلته.فإن للتقوى درجة تفوت بفوات ورع المتقين.و ليس المراد به أن يستحق عقوبة على فعله و من ذلك ما روى أن عمر رضى اللّه عنه وصله مسك من البحرين.فقال وددت لو أن امرأة وزنت حتى أقسمه بين المسلمين.فقالت امرأته عاتكة،أنا أجيد الوزن.فسكت عنها،ثم أعاد القول،فأعادت الجواب.فقال لا أحببت أن تضعيه بكفة،ثم تقولين فيها أثر الغبار،فتمسحين بها عنقك،فأصيب بذلك فضلا على المسلمين .و كان يوزن بين يدي عمر بن عبد العزيز مسك للمسلمين،فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة.و قال و هل ينتفع منه إلا بريحة؟لما استبعد ذلك منه .و أخذ الحسن رضى اللّه عنه[١]تمرة من تمر الصدقة و كان صغيرا،فقال صلّى اللّه عليه و سلم«كخ كخ»أي ألقها