إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٠ - كتاب الحلال و الحرام
>كتاب الحلال و الحرام< و هو الكتاب الرابع من ربع العادات من كتب احياء علوم الدين >بسم اللّه الرحمن الرحيم < الحمد للّٰه الذي خلق الإنسان من طين لازب و صلصال،ثم ركب صورته في أحسن تقويم و أتم اعتدال ،ثم غذاه في أول نشوه بلبن استصفاه من بين فرث و دم سائغا كالماء الزلال ثم حماه بما آتاه من طيبات الرزق عن دواعي الضعف و الانحلال،ثم قيد شهوته المعادية له عن السطوة و الصيال،و قهرها بما افترضه عليه من طلب القوت الحلال،و هزم بكسرها جند الشيطان المتشمر للاضلال ،و لقد كان يجرى من ابن آدم مجرى الدم السيال،فضيق عليه عزة الحلال المجرى و المجال،إذا كان لا يبذرقه إلى أعماق العروق الا الشهوة المائلة إلى الغلبة و الاسترسال،فبقي لما زمت بزمام الحلال خائبا خاسرا ماله من ناصر و لا وال و الصلاة على محمد الهادي من الضلال،و على آله خير آل ،و سلم تسليما كثيرا.
أما بعد:فقد قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«طلب الحلال فريضة على كلّ مسلم»رواه ابن مسعود رضى اللّه عنه.و هذه الفريضة من بين سائر الفرائض أعصاها على العقول فهما، و أثقلها على الجوارح فعلا.و لذلك اندرس بالكلية علما و عملا،و صار غموض علمه سببا لاندراس عمله إذ ظن الجهال أن الحلال مفقود،و أن السبيل دون الوصول إليه مسدود،و أنه لم يبق من الطيبات الا الماء الفرات،و الحشيش النابت في الموات،و ما عداه فقد أخبثته الأيدي العادية و أفسدته المعاملات الفاسدة.و إذا تعذرت القناعة بالحشيش من النبات ،لم يبق وجه سوى الاتساع في المحرمات.فرفضوا هذا القطب من الدين أصلا،و لم يدركوا بين الأموال فرقا و فصلا.و هيهات هيهات،فالحلال بيّن و الحرام بيّن و بينهما أمور مشتبهات .و لا تزال هذه الثلاثة مقترنات كيفما تقلبت الحالات.و لما كانت هذه بدعة عم في الدين ضررها،و استطار